كيف تكون التوبة؟ وما هو أكثر شيء يجب الالتزام به لمن أراد التوبة؟ وما هي أول خطوة في طريق التوبة؟

فتوى رقم 3228 — الشيخ حسن عبدالله — 10 أبريل 2026

السؤال

كيف تكون التوبة؟ وما هو أكثر شيء يجب الالتزام به لمن أراد التوبة؟ وما هي أول خطوة في طريق التوبة؟

الجواب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإنسان بشرٌ مُعرَّضٌ للخطأ، مُعرَّضٌ لزلل مُعرَّضٌ لأن يتجاوز الحدود، وأن يقع في المعصية، لكن كيف المخرج مما يقع فيه؟

المخرج أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يرجع إليه، وأن يكون هذا الرجوع في الإقلاع عن الذنب، وعدم العود إليه، والندم على ما قد فعل، وأن يردَّ الحقوق إلى أهلها.

فالله عز وجل يقول:

﴿ قل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾.

أي ارجعوا إلى الله عز وجل، والرجوع لا بد أن يكون صادقًا، لا يكون مخادعًا؛ أي إنه يُقلِع من الذنب وهو عازم على الرجوع إليه، بل يكون مخلصًا في رجوعه. وإن حصل منه بعد ذلك زلة فاليتب الى الله عز وجل — مهما وقع منه من خطأ — يرجع إلى الله

لكن التوبة الكاذبة أن يتوب بلسانه، وأن يترك الذنب وهو عازم على أن يعود إليه.

وأعظم شيء ينبغي أن يعرفه الإنسان — وهو قد يتغافل عنه — وهو حقوق العباد؛ حقوق العباد ليس بالهيِّن، ولا بد أن يردَّ الحقوق إلى أهلها، قلَّت أو كثرت.

ولهذا لما سأل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه قال لهم : من المفلس، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: «المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات من صلاة وصيام وزكاة، فيأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيُؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من سيئات من ظلمهم ثم طُرحت عليه، ثم طُرح في النار»، والعياذ بالله.

فهنا يكون قد أحسن في حياته وجمع الحسنات، ولكنه لم يحافظ عليها؛ رصيده أصبح نهباً، لم يحافظ عليه بأن يعصم جوارحه، يعصم لسانه، فلا يقع في أعراض الناس لا بالسب ولا بالقذف، ويصون يده فلا تمتد إلى أموال الناس، ويصون دماء الناس وأبدانهم فلا يقتل ولا يضرب.

فهناك أمور ثلاثة نصَّ عليها هذا الحديث:

الأعراض، وتُنتهك بالسب والقذف.

الأموال، وتُنتهك بأكل أموال الناس بالباطل.

والأبدان، وتُنتهك بالقتل والضرب.

ولهذا نجد فيما يتعلق بحقوق العباد لا يتجاوز الله عنه إلا بأن يُفصل بين الناس في المظالم، فيعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.

وأكل أموال الناس بالباطل وردت فيه أكثر من آية، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.

ويقول عز وجل:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذَّر من أخذ مال الناس ولو كان عودًا من أراك، فما بالنا أن تنهب الآلاف والمئات والمليارات والأمتار والفدادين من أموال الناس؟!

مابالنا نشاهد من ينهب الأموال العامة للدولة، مال الأوقاف، مال الأيتام، فتجاوزات كثيرة تحصل من الناس في أموال الآخرين، ولا يحسون بوقعها إلا حينما يقفون بين يدي الله، وعندها:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أوفِّيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه».

والرسول عليه الصلاة والسلام امتنع أن يصلي على رجلٍ عليه ديناران، فقال: «صلُّوا على صاحبكم». فتحمَّلها أحد الصحابة، ثم سأله بعد يوم أو يومين، قال: ما فعل الديناران؟ قال: قضيتهما يا رسول الله. قال: «الآن بردت جلدته».

بل أعظم من ذلك، يقول عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليغفر للشهيد كلَّ شيءٍ إلا الدَّين».

هذه نصوص واضحة في حقوق العباد، فلا بد أن تكون التوبة فيها الصادق، فيها الإخلاص، فيها العزيمة، فيها الإرادة؛ حتى تُقبل توبته.

وبارك الله بكم