السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ما حكم الصلاة خلف إمام يكثر من الأخطاء في قراءة القرآن، ويتقدم دائمًا للإمامة، مع وجود أشخاص غيره يجيدون القراءة أكثر منه، لكنه لا يترك لهم الإمامة؟ علمًا أن هذا الشخص هو مؤذن المسجد. وهل يختلف الحكم إذا كانت أخطاؤه في سورة الفاتحة عن أخطائه في السور التي يقرؤها بعد الفاتحة؟ ومتى يكون الخطأ في القراءة مؤثرًا في صحة الصلاة؟ جزاكم الله خيرًا.

فتوى رقم 3925 — ✍️ أ. د. إسماعيل السَّلْفي — 1 أغسطس 2026

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ما حكم الصلاة خلف إمام يكثر من الأخطاء في قراءة القرآن، ويتقدم دائمًا للإمامة، مع وجود أشخاص غيره يجيدون القراءة أكثر منه، لكنه لا يترك لهم الإمامة؟

علمًا أن هذا الشخص هو مؤذن المسجد.

وهل يختلف الحكم إذا كانت أخطاؤه في سورة الفاتحة عن أخطائه في السور التي يقرؤها بعد الفاتحة؟ ومتى يكون الخطأ في القراءة مؤثرًا في صحة الصلاة؟

جزاكم الله خيرًا.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

وجزاكم الله خيرًا، وبارك فيكم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أمَّا بعد:

فالسنة أن يتقدم للإمامة من كان أصحَّ الحاضرين قراءةً لكتاب الله، مع معرفته بأحكام الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة» [صحيح مسلم (673)].

وكون الشخص مؤذنًا لا يجعله أحق بالإمامة من غيره؛ لأن الأذان والإمامة وظيفتان مستقلتان. فإن لم يكن معيَّنًا إمامًا راتبًا، وكان غيره أصح منه قراءةً وأعلم بأحكام الصلاة، فالأولى أن يتقدم الأجود قراءةً. أما إن كان معيَّنًا إمامًا راتبًا، فهو أحق بالإمامة، ما دامت قراءته صحيحةً لا تفسد بها الصلاة.

والأخطاء في القراءة ليست على درجة واحدة، بل يختلف حكمها باختلاف موضعها ونوعها:

أولًا: الخطأ في سورة الفاتحة:

قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» [صحيح البخاري (756)، صحيح مسلم (394)].

فإذا أخطأ الإمام في الفاتحة خطأً يغيّر حرفًا، أو يسقط حرفًا أو تشديدةً، أو يبدّل حرفًا بآخر، أو يغيّر حركةً يتغير بها المعنى، كأن يقرأ: «أَنْعَمْتُ» بدل: *"أَنْعَمْتَ"*، وجب عليه أن يعيد الكلمة على الوجه الصحيح.

فإن صحح الخطأ وأعاد الكلمة صحيحةً، صحت قراءته وصلاته. أما إذا لم يصححه، وكان قادرًا على القراءة الصحيحة، لم تصح فاتحته، ولم تصح إمامته لمن يحسن قراءة الفاتحة؛ لأن حروف الفاتحة وتشديداتها يجب الإتيان بها على وجهها الصحيح.

وإذا كان عاجزًا عن النطق الصحيح عجزًا دائمًا بعد بذل وسعه في التعلم، صحت صلاته لنفسه، لكنه لا يؤم من يحسن الفاتحة، وإنما يؤم من كان مثله في العجز.

أما إذا كان الخطأ في حركة لا يتغير بها المعنى كفتح دال *نعبد* وفتح صاد *صراط*، ولم يسقط حرفًا أو تشديدةً، فإن الصلاة لا تبطل في المذهب الشافعي، لكنه يأثم إن تعمد الخطأ، ويكره إن وقع منه من غير تعمد، ولا ينبغي تقديمه للإمامة مع وجود من هو أصح منه قراءةً.

وكذلك ترك بعض تحسينات التجويد، كالزيادة أو النقص اليسير في المد أو التفخيم والترقيق، لا يبطل الصلاة ما دام لم يغيّر حرفًا، أو يسقط تشديدةً، أو يغيّر المعنى.

ثانيًا: الخطأ في السورة المقروءة بعد الفاتحة:

قراءة السورة بعد الفاتحة سنة وليست ركنًا؛ ولذلك إذا أخطأ الإمام فيها من غير تعمد، ولو كان الخطأ مغيرًا للمعنى، لم تبطل صلاته ولا صلاة المأمومين؛ لأن ترك السورة كلها لا يبطل الصلاة، لكن يجب عليه أن يعتني بتصحيح قراءته، ولا يتصدر للإمامة مع كثرة الخطأ ووجود من هو أجود منه.

أما إذا تعمد تحريف القراءة في غير الفاتحة، وهو يعلم أن ما يقرؤه خطأ يغيّر المعنى، فإن ذلك محرَّم، وتبطل صلاته بهذا التعمد.

وينبغي أن يُنصح هذا المؤذن برفق وأدب، وأن يُبيَّن له أن الإمامة أمانة، وليست حقًّا شخصيًّا، وأن تقديم الأجود قراءةً أقرب إلى السنة وأحفظ لصلاة الجماعة، من غير تشهير به أو إثارة نزاع في المسجد.

وخلاصة الفتوى: إذا كانت أخطاء الإمام في الفاتحة تغيّر حرفًا أو معنى، أو تُسقط حرفًا أو تشديدةً، ولم يصححها، فلا تصح إمامته لمن يقرأ الفاتحة صحيحةً. أما الخطأ في حركة لا تغيّر المعنى، فلا يبطل الصلاة، لكنه نقص ينبغي إصلاحه. والأخطاء غير المتعمدة في السور بعد الفاتحة لا تبطل الصلاة. وكون الشخص مؤذنًا لا يجعله أحق بالإمامة، بل يُقدَّم الأصح قراءةً والأعلم بأحكام الصلاة.

والله أعلم.