لما أعمل محاضرات أو خواطر أبحث كثيرًا في الموضوع،وأسمع لمشايخ ودعاة أعتبرهم موثوقين وعارفين، يعني متبحّرين في القرآن، فتطلع لي محاضرتي بمفهومات جديدة. مثلاً:موضوع الموت… عندي قناعة أن الدعاة الذين كنت أسمع لهم كانوا يصفون الموت بطريقة بشعة؛ أن الموت قاسٍ ومؤلم ويساوي ألمه لا أدري كم ضربة سيف… مما جعل المتلقين آنذاك يتفكّرون بأحوال لحظات الموت ويتناسون ما بعد الموت… ثم كانت النتيجة هيبة الموت لذاته وليس لما يترتّب عليه… فأصبح الناس يخافون الموت لذاته فقط… وأصبحت هناك ردّة فعل معكوسة؛ فبدل أن يعود الناس إلى الله أصبحوا ينغمسون أكثر وأكثر في الملذات ليمحوا من فكرهم صورة الموت المؤلم القاسي الذي يطاردهم. أمّا صورة الموت كما توصلتُإليه: أن له سكرات… لكن ما يجب التركيز عليه هو العمل لما بعد الموت دون التركيز الشديد والمخيف على الموت نفسه. فهل هناك أدلّة صحيحة على هذه الفرضية أو نفيها؟

فتوى رقم 2569 — عسكر طعيمان — 1 يناير 2026

السؤال

لما أعمل محاضرات أو خواطر أبحث كثيرًا في الموضوع،وأسمع لمشايخ ودعاة أعتبرهم موثوقين وعارفين، يعني متبحّرين في القرآن، فتطلع لي محاضرتي بمفهومات جديدة.

مثلاً:موضوع الموت… عندي قناعة أن الدعاة الذين كنت أسمع لهم كانوا يصفون الموت بطريقة بشعة؛ أن الموت قاسٍ ومؤلم ويساوي ألمه لا أدري كم ضربة سيف… مما جعل المتلقين آنذاك يتفكّرون بأحوال لحظات الموت ويتناسون ما بعد الموت… ثم كانت النتيجة هيبة الموت لذاته وليس لما يترتّب عليه… فأصبح الناس يخافون الموت لذاته فقط… وأصبحت هناك ردّة فعل معكوسة؛ فبدل أن يعود الناس إلى الله أصبحوا ينغمسون أكثر وأكثر في الملذات ليمحوا من فكرهم صورة الموت المؤلم القاسي الذي يطاردهم.

أمّا صورة الموت كما توصلتُإليه: أن له سكرات… لكن ما يجب التركيز عليه هو العمل لما بعد الموت دون التركيز الشديد والمخيف على الموت نفسه.

فهل هناك أدلّة صحيحة على هذه الفرضية أو نفيها؟

الجواب

الحمد لله وبعد:

فجزاك الله خيرًا على قيامك واهتمامك بالدعوة إلى الله وتذكير المسلمين،وعلى حرصك على التأثير السليم في المستمعين، ونسأل الله لنا ولك التوفيق. وبالنسبة لما طرحته، فالذي تقتضيه الأدلة أن شدة سكرات الموت تختلف من شخص إلى آخر، وليست شدة الموت فيما يظهر للناس علامة على حسن أو سوء الخاتمة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم عانى من شدة سكرات الموت وقال:"لا إله إلا الله، إن للموت للسكرات" كما في الصحيح، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها في الصحيح أيضًا: "فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي صلى الله عليه وسلم".

ولذلك موت الفجأة بالسكتة القلبية أو غيرها مما يظن الناس أنه موت سهل،قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "موت الفجأة راحة للمؤمن حسرة على الفاجر".

ومن المعلوم أن بعض الميتات أصعب وأشد من بعض،مثل الحرق والغرق ونحوهما، ولذلك جعل الله لأصحابها أجر الشهداء، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله". وروى النسائي وغيره من حديث جابر بن عتيك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المطعون شهيد، والمبطون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب الهدم شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيدة". قال الإمام النووي: "وإنما كانت هذه الموتات شهادة بتفضل الله تعالى بسبب شدتها وكثرة ألمها". اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: "قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة، تفضل الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم وزيادة في أجورهم، يبلغهم بها مراتب الشهداء. قلت (ابن حجر): والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء".

فالحاصل من مجموع الأدلة أن الموت للمؤمن راحة من كل شر،ويستريح به من تعب الدنيا ونصبها إلى رحمة الله، وأن خروج الروح يخفف عليه حتى تسيل روحه كالقطرة من في السقاء، -(وهذا لا ينفي الشدة التي تلحق بعض المسلمين أثناء الاحتضار، فخروج الروح غير الاحتضار، والله أعلم)- ، وأن الفاجر بعكسه، فهو أول العذاب له وما بعده أشد، وروحه تنزع نزعًا شديدًا كما ينزع السفود من الصوف المبلول، نسأل الله العافية وحسن الخاتمة.

وقد ذكر الله تعالى عن سهولة موت المؤمنين فقال تعالى:﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وغيرهما من الآيات، وذكر سبحانه شدة موت الكفار فقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وغيرها من الآيات. وأنصح السائل الكريم أن يرجع لحديث البراء بن عازب الطويل الذي فيه وصف موت المؤمن والكافر، وما ينتظرهما بعد الموت، نسأل الله العافية وحسن الخاتمة.

وأما ما ذكره السائل الكريم من أن بعض الدعاة يبالغ في وصف شدة الموت وكأنه يعمم الشدة على المسلم والكافر،فهذا خطأ، فالشدة نسبية، والمسلم وإن اشتد عليه الموت فهو خير له، ولا تبلغ ولا تقارب الشدة التي تلحق الكافر والعياذ بالله.

وهذا الخطأ بطبيعة الحال لا يبرر لمن ذكرت عنهم أنهم تأثروا سلبًا بهذا الأمر وأصبحوا ينغمسون في الملذات... الخ، فهذا من تلبيس إبليس وخداع النفس المنافي للعقل والشرع، فما فعلوه هو الذي يسبب لهم شدة الموت وما بعده من أهوال إن لم يتداركهم الله برحمة منه فيتوبوا ويرجعوا إلى الله، ويستعدوا للقاء الله بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، ويجتنبوا ما لا يحبه من الأعمال السيئة التي تجلب سخطه وعذابه، عافانا الله وإياكم.

فالخلاصة كما في الحديث المتفق على صحته:أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مرَّ عليه جنازةٌ فقال: "مستريح ومستراح منه"، فقالوا: ما المستريح وما المستراح منه؟ قال: "العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب".

فالموت باب يدخله الناس كلهم ينتقلون به من الدار الفانية إلى الدار الباقية،فنسأل الله أن يميتنا على الإسلام والسنة، والحمد لله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

فتاوى ذات صلة