يا شيخ .. هناك عالم اسمه (...) يقول إن الحائض لا تفطر في رمضان بل تصوم من غير أن تقضي، ويستدل على ذلك بأنه لا يوجد دليل من القرآن على أنها تفطر، ويتم تداول هذا المقطع كثيرا في مجموعات النساء، فهل هذا الكلام صحيح؟

فتوى رقم 2775 — يوسف الرخمي — 5 فبراير 2026

السؤال

يا شيخ .. هناك عالم اسمه (...) يقول إن الحائض لا تفطر في رمضان بل تصوم من غير أن تقضي، ويستدل على ذلك بأنه لا يوجد دليل من القرآن على أنها تفطر، ويتم تداول هذا المقطع كثيرا في مجموعات النساء، فهل هذا الكلام صحيح؟

الجواب

قد بحثت في النت عن الشخص المذكور في السؤال فوجدته شخصا مختصا بالصحة النفسية ولا علاقة له بعلوم الشرع؛ ولذا حذفت اسمه من السؤال لعدم وجود فائدة من ذكره، فلا معنى للتحذير من فتاويه وهو ليس من أهل الفتوى أساسا. وهذه من بلايا هذا العصر أن علوم الشرع أصبحت مرتعا لكل أحد، وكلما أراد أحد تحقيق شهرة دنيوية معينة لأي غرض كان فإنه يقوم بتناول مسألة شرعية مشهورة ومعلومة عند جميع المسلمين ثم يأتي فيها بقول شاذ مخالف لما تقرر في الأذهان ليلفت أنظار الناس إليه، ويصل إلى مبتغاه من الشهرة، وهي الخيبة والخزي في الآخرة أن يبيع المسلم آخرته ليحصل إلى شهوة نفسية دنيوية تذهب بعد مدة قصيرة، ولولا كثرة السؤال عن هذه المسألة لما حققنا للمذكور غايته من طلب الشهرة، ولطمرنا شبهته بين آلاف الشبهات التي راجت زمنا ثم نالت حضها من الإهمال، وبقي الحق ناصعا جليا دائما.

1- وبالنسبة للشبهة المذكورة فلا شك في بطلانها؛ وأحكام الشرع لا تؤخذ فقط من القرآن بل تؤخذ من السنة أيضا، وهذا أمر معلوم عند كل مسلم، بل إن من أنكر حجّية السنة فإنه ينكر نصوص القرآن أيضا التي أمرتنا باتباع السنة كما قال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وقال: (فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبُهم عـذاب ألـيم)، وقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتّى يحكمُّوك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلموا تسليما)، وقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، والأدلة في هذا الباب أكثر من أن تحصر، وقد سبق الكلام حول طرف من هذه المسألة في الفتوى (ذات الصلة).

2- مسألة وجوب الفطر على الحائض في رمضان ووجوب القضاء عليها وردت في السنة بصورة صريحة لا لبس فيها ولا غموض، من ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن)، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟)، قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان دينها). وفي رواية لمسلم: (وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين). وروى البخاري ومسلم أيضا في صحيحيهما عن معاذة، قالت: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة. فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: (كان يصيبنا ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة). والمراد بالحرورية فرقة من فرق الخوارج كان مذهبهم وجوب قضاء الصلاة على الحائض، وهو مذهب باطل.

3- هذه المسألة ليست من المسائل التي اختلف فيها العلماء بل هي مسألة محل إجماع عند جميع المسلمين من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وعند جميع المذاهب الإسلامية، وعند السنة والشيعة، بل حتى الخوارج لا يخالفون في ذلك كما هو ظاهر الرواية السابقة؛ فإنهم يوجبون على الحائض الفطر في رمضان والقضاء وإنما شذوا بإيجاب قضاء الصلاة عليها، والصواب هو وجوب قضاء الصيام فقط وعدم وجوب قضاء الصلاة عليها، فيكون هذا المتعالم قد شذ بقول لم يقل به أحد من العالمين، ولم يقل به حتى الخوارج، وممن نقل الإجماع في المسألة ابن عبد البر في التمهيد، والنووي في المجموع، وابن قدامة في المغني، وابن تيمية في مجموع الفتاوى، ونقله الترمذي وابن المنذر وابن جرير وغيرهم. وبهذا يتبين بطلان هذه الشبهة وتهافتها.

فتاوى ذات صلة