تفصيل للفتوى الخاصة بالسحور وقت أذان الفجر

فتوى رقم 2809 — يوسف الرخمي — 10 فبراير 2026

السؤال

تفصيل للفتوى الخاصة بالسحور وقت أذان الفجر

الجواب

ذهب عامة فقهاء الأمصار إلى أن الصيام يدخل بطلوع الفجر، فإذا طلع الفجر لم يجز لأحد أن يأكل أو يشرب وإلا كان مفطرا آثما وعليه القضاء والتوبة، وطلوع الفجر عند من يعلم المواقيت وعلاماتها وكان يرى ذلك هو طلوعه حقيقة، وأما من لم يكن يراه (وهو حال الغالبية العظمى من الناس) فالواجب عليه أن يمسك مع بدء أذان المؤذن؛ فإنه مؤتمن على الوقت، ولا يجوز له الاستمرار في الأكل والمؤذن يؤذن، دليل ذلك قوله تعالى: *(وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)*، وقوله صلى الله عليه وسلم: *(إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)* رواه البخاري ومسلم، وهما صريحان في أن معقد الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح هو طلوع الفجر حقيقة أو سماع صوت الأذان، والنصوص في هذا كثيرة لا تخرج عما ذكرناه.

وذهب العلامة الألباني رحمه الله إلى أنه يجوز لمريد الصيام أن يأكل أو يشرب حتى ينتهي المؤذن من الأذان، ودليله في ذلك حديث: *(إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه)* رواه أبو داود وغيره، وحكم عليه الألباني بالصحة، وفرّع عن ذلك جواز العمل بظاهره، ولم يصب في ذلك رحمه الله لأمور عدة منها:

1- أن الصواب في الحديث أنه ضعيف، ضعفه أبو حاتم كما في العلل، وشنّع العلامة النسائي على من رواه، وحكم عليه بالنكارة، كما ذكره في إكمال التهذيب لمغلطاي، والأقرب –والله أعلم- أنه موقوف على أبي هريرة من رأيه، فوهم الراوي فرفعه إلى النبي عليه السلام.

2- لو افترضنا صحة الحديث فلا بد أن يكون منسوخا؛ لمعارضته النصوص المتفق على صحتها من القرآن والسنة، ولأنه قد ورد عن بعض الصحابة ما هو أكثر من ذلك كما ذكره ابن بطال في شرحه على البخاري؛ فقد نقل أن أبا بكر الصديق نظر إلى الفجر مرتين ثم تسحر في الثالثة، وأن عليا قال حين صلى الفجر: الآن حين يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وأن حذيفة لما طلع الفجر تسحر ثم صلى ثم قال: هكذا فعل رسول الله غير أن الشمس لم تطلع!! وهذه الأقوال لا قائل بها، وإلا لزم أن يكون جواز الأكل ممتد إلى قبيل طلوع الشمس كما ذكر حذيفة، مما يشير إلى نسخ هذه الأقوال جميعا، وأن هذا كان في أول الإسلام، وما أجابوا به على هذه المرويات فهو جوابنا عليهم.

3- وعلى افتراض عدم الضعف وعدم النسخ فإنه مؤول كما قال النووي رحمه الله في المجموع: *(من طلع الفجر وفي فيه طعام فليلفظه ويتم صومه، فإن ابتلعه بعد علمه بالفجر بطل صومه، وهذا لا خلاف فيه، ... وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ ) فقد قال البيهقي بعد روايته له: وهذا إن صح محمول عند عوام أهل العلم على أنه صلى الله عليه وسلم علم أنه ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر، وأن المراد بالنداء هو الأول ليكون موافقا لحديث ابن عمر وعائشة، وعلى هذا تتفق الأخبار)* بتصرف.

وأما ما يقوله بعضهم: إن المؤذنين لا يلتزمون بأوقات الأذان الصحيحة، وأنهم يتفاوتون في ذلك تفاوتا كبيرا بحيث يكون بين أذان الأول والأخير الدقائق ذوات العدد، فالجواب أن هذا موضوع خارج النزاع، وإنما النزاع في جواز الأكل وقت الأذان وقد دخل الوقت فعلا .. وعلى كل حال فمن كان يرى طلوع الفجر فالعبرة بما يراه إن كان عالما بالمواقيت والفرق بين الفجر الصادق والكاذب، ومن لم يكن يرى الفجر، أو كان يراه ولكن لا علم عنده بالمواقيت فالواجب أن يمسك مع أول أذان يسمعه احتياطا، ولا عمل على الشك المحتمل بأنه لم يدخل الوقت بعد، فهذا تهاون في شعيرة عظيمة بموجب التشهي والتساهل لا غير.

فتاوى ذات صلة