شابٌّ في العشرين من عمره يعيش مع أسرته بعيدًا عن الأقارب، يشكو من معاملة والده القاسية لوالدته؛ إذ يسيء إليها بالكلام الجارح، ويهددها أحيانًا، ويصبّ غضبه عليها إذا أخطأ أحد الأبناء، بينما هي قائمة بواجبها وصابرة محتسبة. وإذا حاول الابن نصح والده غضب عليه واشتدّ. كما أن الأب يُكثر من الإنفاق على القات، ما يسبب ضيقًا في نفقة البيت، ويُكثر من التهديد بالطلاق. السؤال: ما واجب الابن تجاه والده في هذه الحال؟ وكيف يتعامل معه ويحمي أمه دون أن يقع في عقوق أو إثم، خاصة مع ما يجده في نفسه من غضب؟

فتوى رقم 2966 — عقيل المقطري — 28 فبراير 2026

السؤال

شابٌّ في العشرين من عمره يعيش مع أسرته بعيدًا عن الأقارب، يشكو من معاملة والده القاسية لوالدته؛ إذ يسيء إليها بالكلام الجارح، ويهددها أحيانًا، ويصبّ غضبه عليها إذا أخطأ أحد الأبناء، بينما هي قائمة بواجبها وصابرة محتسبة. وإذا حاول الابن نصح والده غضب عليه واشتدّ. كما أن الأب يُكثر من الإنفاق على القات، ما يسبب ضيقًا في نفقة البيت، ويُكثر من التهديد بالطلاق.

السؤال: ما واجب الابن تجاه والده في هذه الحال؟ وكيف يتعامل معه ويحمي أمه دون أن يقع في عقوق أو إثم، خاصة مع ما يجده في نفسه من غضب؟

الجواب

وللإجابة على ذلك أقول، وبالله تعالى التوفيق:

هذه المسألة لا شك أنها شائكة، وسبب هذه القسوة واشتداد غضب الوالد الذي يظهر أنها بسبب أمرين اثنين:

*الأمر الأول:* هو إدمانه على القات؛ فالقات والإدمان عليه يسبب شيئاً من سوء الخلق واشتداد الغضب لأتفه الأسباب.

*الأمر الثاني:* وهو ضعف إيمان الأب؛ فضعف الإيمان ينسي الإنسان مراقبة الله عز وجل، ينسي الإنسان الأخلاق الفاضلة التي يجب أن يقوم بها، ينسي الإنسان ما تقوم به زوجته من الخدمة والرعاية والقيام بشؤون البيت وما شاكل ذلك.

ولو أن هذا الرجل فقد زوجته يومين أو ثلاثة أيام، لعلم كيف تصير حياته، ولعلم كيف يصير بيته.

*نصائح عملية للابن:*

فالذي أنصح به أن يتجه هذا الأخ إلى:

العناية بتقوية إيمان والده: سواء كان عن طريقه هو، أو بتسليط بعض الناس الصالحين على هذا الأب من أجل تقوية إيمانه، وجره شيئاً فشيئاً من مجالس القات ومن الإدمان على القات. وحثه على الأعمال الصالحة التي تقرب من الله عز وجل؛ كالإكثار من الصلوات، وتلاوة القرآن، والذكر، وصيام بعض الأيام الفاضلة وما شاكل ذلك؛ فهذه لا شك أنها سوف تغير من حاله.

تغيير البيئة المحيطة: لو أمكن نقله من البيئة التي هو فيها إلى بيئة أفضل، إلى بيئة دينية، إلى بيئة إيمانية؛ فإن هذا مما يعين على الخروج من الإدمان أولاً، وأيضاً فيه تغيير للأخلاق الفاضلة.

الخروج مع الجماعات الدعوية: فإن أمكن أن يخرج مع بعض الجماعات الدعوية، كـ "جماعة التبليغ" على سبيل المثال، لو يخرج معها بعض الأيام، ويأخذ بيد والده، أو بعض الناس المؤثرين عليه أن يأخذوا بيده إلى مثل تلك المجالس ومجالس العلم؛ فلا شك أن هذا الوالد سوف تتغير سلوكياته وتتغير أخلاقه.

تحين الأوقات المناسبة للنصح: أن يتحين الولد الأوقات المناسبة حيث يجد من والده ارتياحاً وقبولاً للكلام، فيبدأ يذكره بالله تعالى، يذكره مثلاً بما تقوم به أمه من الأعمال، وأنها ليست "آلة" وليست "عبداً" وليست "خادمة"، بل هي زوجة لها حقوق وعليها واجبات، فـ "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟".

الذكاء في التعامل: وهذا طبعاً يحتاج إلى شيء من الذكاء في التعامل مع الوالد والنظر في الوقت المناسب أيضاً، وخاصة أحياناً سبحان الله حتى حينما يكون الوالد في "مجلس القات" حينما يرتاح باله، ربما يكون متقبلاً للكلام في بعض الأحوال.

النصح بالرفق واللين: نصحه بالرفق واللين مع مدحه، ومع شيء من الثناء عليه وأنه يقوم بكذا وكذا وكذا، فيذكره بالله تعالى، يذكره بالآخرة، يذكره بأن هذه النفقة التي ينفقها على القات أنها في غير محلها وفي غير موضعها وسيسأل عنها بين يدي الله تعالى؛ فالإنسان سيسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه. و "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول" إذا كان فعلاً مقصراً في النفقة على أسرته.

توسيط أهل الخير: أن يسلط عليه كما سبق بعض الناس الخيرين الذين يحترمهم هذا الوالد، وخاصة إذا كان عنده جلساء "يخزنون" معه أو يمضغون القات معه وكان فيهم شيء من الصلاح ويقبل توجيههم ويقبل نصحهم؛ هؤلاء سيكون لهم دور بإذن الله تعالى في استقامة الوالد وتغير حاله.

تجاه الوالدة والإخوة:

بالنسبة للوالدة: يذكرها أيضاً بالصبر والاحتساب والأجر عند الله سبحانه وتعالى، ولا شك أنها مأجورة.

بالنسبة للوالد: يذكر والده بأن "ما دخل الأبناء" إذا أخطأوا أو فعلوا شيئاً من هذا القبيل أن يتجه أو يصب جام غضبه على الأم؟ ما دخلها؟ فـ "لا تزر وازرة وزر أخرى".

بالنسبة للإخوة: يجلس مع إخوته ويتحدث معهم بهذا الخصوص، أن يجتنبوا ما يغضب الوالد؛ لأنه يصب جام غضبه على والدتكم، وهذا نوع من العقوق إن حصل منكم.

وبهذه الطريقة إن شاء الله تعالى يستطيع هذا الولد أن يكون قد جمع بين الأمرين: أنه ابتعد عن عقوق والده وتكلم معه برفق، والرفق كما قال عليه الصلاة والسلام: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه". ومن جهة أخرى يكون إن شاء الله تعالى قد وجه والده ونصحه وذكره بالله تعالى، وأمر والدته بالصبر وإخوانه بالاستقامة.

نسأل الله تعالى أن يعين هذا الشاب وأن يكتب له الأجر والثواب،

*والله تعالى أعلى وأعلم.*

فتاوى ذات صلة