أنا أعمل في مجال بيع الأدوية، ويتطلب عملنا تقديم هدايا للأطباء، تتراوح من أقلام إلى رحلات سفر بتكاليف تصل إلى آلاف الريالات، وذلك مقابل أن يكتبوا أصناف الشركة. وأحيانًا يطلبون مبالغ نقدية. نحن مطالبون بتحقيق أرقام مبيعات في نهاية السنة، وكما هو معلوم، نحن نعمل لأسباب مادية، ونجد أنفسنا بين خيارين: إما المحافظة على العمل في الشركة، أو الرفض بسبب عدم تحقيق الأرقام المطلوبة. السؤال: هل تقديم هذه الهدايا مقابل التعاون معنا حرام؟ هل نتحمل نحن الإثم، أم الطبيب، أم الشركة؟ مع العلم أننا شريحة واسعة، والجميع يهمه معرفة الحكم الشرعي في هذا الأمر.

فتوى رقم 552 — يوسف الرخمي — 28 فبراير 2025

السؤال

أنا أعمل في مجال بيع الأدوية، ويتطلب عملنا تقديم هدايا للأطباء، تتراوح من أقلام إلى رحلات سفر بتكاليف تصل إلى آلاف الريالات، وذلك مقابل أن يكتبوا أصناف الشركة. وأحيانًا يطلبون مبالغ نقدية.

نحن مطالبون بتحقيق أرقام مبيعات في نهاية السنة، وكما هو معلوم، نحن نعمل لأسباب مادية، ونجد أنفسنا بين خيارين: إما المحافظة على العمل في الشركة، أو الرفض بسبب عدم تحقيق الأرقام المطلوبة.

السؤال:

هل تقديم هذه الهدايا مقابل التعاون معنا حرام؟

هل نتحمل نحن الإثم، أم الطبيب، أم الشركة؟

مع العلم أننا شريحة واسعة، والجميع يهمه معرفة الحكم الشرعي في هذا الأمر.

الجواب

- هذه مسألة قد عمّت بها البلوى للأسف في بلادنا وغيرها من البلدان المشهورة بالفساد، إلا أنها في بلادنا أكثر انتشارا؛ لضعف الرقابة الحكومية من جهة، وتواطؤ بعض الجهات الحكومية من جهة أخرى؛ لكونهم يملكون بعض هذه الشركات، أو لكونهم يأخذون عمولات منها مقابل صمتهم، ومع كثرة شركات الأدوية التي تسعى لتسويق أدويتها بأي ثمن ولو عبر الدخول في صفقات مُخلّة بالشرع والأخلاق والقانون مع الأطباء والمستشفيات فقد زادت الطين بلّة، وتضاعف الشر مرات، وكان يمكن لهذه الشركات أن تدخل في منافسة مشروعة وشريفة بزيادة جودة منتجاتها أو بتخفيض أرباحها؛ فربح قليل حلال يباركه الله، وربح كثير من الحرام يمحقه الله ويسلّط عليه المصائب والمهلكات في الدنيا، مع العذاب الشديد في الآخرة، وفي الحديث الصحيح: (ما نبت لحم من سحت إلا كانت النار أولى به) رواه الترمذي وابن حبان وغيرهما، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني.

وسألخص الجواب على هذه المسألة من خلال النقاط التالية:

1- إذا استلم الطبيب تلك الهدايا والعينات بغرض توزيعها لمن يحتاجاها من المرضى على سبيل الصدقة إن كانوا فقراء، أو على سبيل الهدية إن كانوا أغنياء، مع عدم وصف الدواء للمريض إلا إذا كان في حاجته، وتحرى الطبيب اختيار الدواء الأنفع والأقل سعرا في السوق، سواء كان من هذه الشركة أو من شركة أخرى، ففي هذه الحالة يكون فعل الطبيب جائزا، وتعامله شرعي، ويشترط لجواز ذلك أن تكون العينات والهدايا التي تمنحها الشركة قليلة ويسيرة بالقدر الذي يساهم في التعريف والتسويق لمنتجاتهم، فإن كانت الهدايا كثيرة وكبيرة كان ذلك حراما؛ لكونه ذريعة للرشوة، ولما فيه من إرهاق المريض بارتفاع سعر الدواء كون الشركة ستضيف قيمة هذه العينات إلى سعر الدواء.

2- إذا أخذ الطبيب تلك الهدايا والعينات لغرض بيعها والاستفادة الشخصية من ثمنها مقابل أن يصف هذا الدواء للمرضى المراجعين مع كون هذا الدواء له أدوية مماثلة في السوق أقل سعرا أو أعلى جودة، أو لم يكن المريض في حاجة لمثل الدواء أصلا فهذه الفعل حرام، والطبيب آثم بهذا التصرف مخلّ بمقتضى الأمانة والدين.

3- إذا اشترط الطبيب حصوله على مبالغ مالية أو عينية معينة أو نسبة محددة من أرباح الدواء لأجل أن يصف هذه الدواء للمرضى فهذا حرام وخيانة للأمانة، وما يحصل عليه من العمولات سُحت، ولا شك أن شركة الأدوية ستضيف عمولة الطبيب على سعر الدواء فيتضاعف سعر الدواء على المريض ليغطي أرباح الشركة وعمولة الطبيب، وهذا من المنكرات العظيمة، مع ما فيه من خروج الطبيب عن مقتضى عمله؛ فقد تحوّل عن عمله الأصلي كطبيب إلى سمسار ووسيط بين شركات الأدوية والمرضى، وللأسف حتى وساطته التي هي خارج نطاق عمله قد تحولت في صالح الطرف الأقوى وهي شركات الأدوية، فجمع بفعله هذا بين شرور عظيمة في وقت واحد.

4- إذا أخذ الطبيب تلك الهدايا والعيّنات لغرض بيعها والاستفادة الشخصية من ثمنها ولكنه لم يسع بالغش على مرضاه، فلا يصف لمرضاه إلا الدواء الذي هم في حاجة إليه، ولا يختار لهم إلا الدواء المناسب والأنفع من حيث السعر والجودة، سواء كان الدواء من منتجات هذه الشركة أو غيرها، فهذا محل نظر، والأقرب عدم جواز فعله أيضا سدا للذريعة، ولكن إثمه أقل من الحالتين السابقتين، والإنسان أسير من أحسن إليه، ويُخشى عليه مع مرور الأيام وتتّبع أهواء النفس وخطوات الشيطان وضعف القناعة أن ينزلق فيما انزلق فيه الصنفين السابقين.

5- لا شك أن الأسلم لدين الطبيب والأبرأ لذمته ولميثاق شرف مهنته أن يتنزّه عن جميع تلك الهدايا والعينات في كل الأحوال، فهذه أدعى للقيام بعمله على أكمل وجه دون الوقوع تحت سياط ضغوط مندوبي شركات الأدوية، وأهنأ لضميره، وأبعد عن الوقوع في مزالق حظوظ النفس وخطوات الشيطان.

6- بالنسبة للرحلات والسفريات التي يحصل عليها الأطباء من شركات الأدوية إن كانت هذه الرحلات لحضور مؤتمرات طبية فننظر فيها عندئذ: فإن كانت هذه الرحلات ثمنا لوصفهم أدوية تلك الشركة دون غيرها مع وجود أدوية أفضل منها فهذه الرحلات محرمة، وهي في حكم الرشوة، وأما إن كان الطبيب ملتزما بأخلاق الطب فلا يصف لمرضاه إلا ما يناسبهم من أي شركة كانت فلا مانع من الحصول على تلك الرحلات للاستفادة منها وزيادة

خبرته العلمية والعملية بما يعود على مرضاه بالنفع، شرط ألا تكون تلك الرحلات وسيلة ضغط وابتزاز من الشركات لإجبار الأطباء أو إحراجهم بوصف أدويتهم للمرضى.

وأما إن كانت هذه الرحلات سياحية أو ترفيهية فهي من باب الرشوة على كل حال، ولا تجوز شرعا.

7- بالنسبة لمندوبي المشتريات في المستشفيات وكذلك مدراء المستشفيات الذين يتعاملون مع شركات الأدوية لا يجوز لهم طلب العمولات من الشركات؛ فهذا مع كونه خارج مقتضى عملهم الذي يستلمون راتبهم من أجله فهو أيضا من باب الرشوة المحرمة شرعا، وفيه زيادة أعباء على المرضى كون تلك الشركات ستضيف كل تلك العمولات على ثمن الدواء، فيصل إلى المرضى بأسعار مضاعفة.

8- بالنسبة لحكم عمل مندوبي التسويق للشركات إن التزموا في عملهم الصدق والأمانة، وعدم الغش والخداع، ولم يكتموا في تسويقهم للدواء ما يكتنفه من سلبيات أو أضرار جانبية، ولم يعقدوا مع الأطباء صفقات مشبوهة أو ممنوعة كما سبق بيانه، فعملهم جائز ولا إشكال فيه، وليكن الرزق الحلال هو مبتغاهم وغايتهم وإن كان قليلا بغض النظر عن السقف المستهدف الذي تطلبه شركاتهم منهم، فإن خالفوا شيئا مما سبق فعملهم حرام، وما يحصلون عليه سحت، وهم شركاء للأطباء والشركات في الحرام.

هذا ما تيسر كتابته في هذا الموضوع الشائك، والله ولي الهداية والتوفيق.

فتاوى ذات صلة