هل يجوز طلب الطلاق من الزوج إذا كان كذّابًا؟

فتوى رقم 3842 — إسماعيل السلفي — 15 يوليو 2026

السؤال

هل يجوز طلب الطلاق من الزوج إذا كان كذّابًا؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أمَّا بعد:

فالكذب خُلُق محرّم وقبيح، وهو من أسباب فساد البيوت، وذهاب الثقة بين الزوجين، وضياع الحقوق؛ قال الله تعالى: *"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"*، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار».

ومع ذلك، فليس كل كذب يقع من الزوج يكون سببًا لطلب الطلاق؛ فإن كانت كذبة عارضة، أو تقصيرًا يمكن إصلاحه بالنصح والتذكير، فالواجب الصبر، والنصح، والاستعانة بأهل الحكمة، ومحاولة الإصلاح؛ لأن الطلاق آخر العلاج، ولا يجوز للمرأة أن تسأل الطلاق من غير سبب معتبر؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة».

أما إذا كان الزوج كثير الكذب، مستمرًا عليه، ويترتب على كذبه ضرر ظاهر على الزوجة أو الأولاد، أو ضياع للحقوق، أو خيانة للأمانة، أو تعذرت معه العشرة بالمعروف، فللزوجة أن تطلب منه الإصلاح أولًا، وتُدخل أهل العقل والدين من الطرفين، فإن لم ينصلح الحال، وبقي الضرر، جاز لها طلب الطلاق دفعًا للضرر؛ لأن الله تعالى قال: *"فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان"*.

وبناءً على قاعدة: الضرر يزال، فإن الكذب إذا كان عارضًا أمكن علاجه بالنصح والصبر والإصلاح، ولا يكون بمجرده مسوِّغًا لطلب الطلاق. أما إذا صار عادةً مستمرة يترتب عليها ضرر في الدين، أو النفس، أو الحقوق، أو استقرار الأسرة، ولم ينفع معه النصح والتحكيم، فللمرأة أن تطلب رفع هذا الضرر بطريق مشروع؛ لأن الشريعة لا تلزم الزوجة بالبقاء في معاشرة قائمة على الأذى وفقدان الأمانة.

وقاعدة: الصلح خير، تدل على أن الطلاق لا ينبغي أن يكون أول خطوة، بل يبدأ الأمر بالنصح، والتذكير بالله، والاستعانة بأهل الحكمة من الطرفين؛ فإن تحقق الإصلاح فذلك هو المطلوب، وإن تعذر وبقي الضرر، انتقل الأمر إلى طلب الطلاق أو مراجعة جهة شرعية معتبرة.

كما أن المعاشرة بالمعروف تقتضي أن تقوم الحياة الزوجية على الصدق، والأمانة، وحفظ الحقوق، وحسن العشرة، لا على الكذب والخداع؛ فإذا كان الكذب المستمر يهدم هذه المعاني، ويفسد مقصود النكاح من السكن والمودة والرحمة، صار سببًا معتبرًا للنظر في رفع الضرر.

فإن رفض الزوج الطلاق، واستمر الضرر، فلها رفع الأمر إلى جهة شرعية معتبرة للنظر في حالها، أو طلب الخلع عند الحاجة إذا تعذّر استمرار الحياة الزوجية، مع مراعاة الحقوق وما تقرره الجهة المختصة.

وخلاصة الفتوى: لا يجوز طلب الطلاق لمجرد كذبة عارضة يمكن إصلاحها، أما إذا كان الزوج معتاد الكذب، وتضررت الزوجة من كذبه، وتعذرت العشرة بالمعروف بعد النصح ومحاولة الإصلاح، فيجوز لها طلب الطلاق، أو الرجوع إلى جهة شرعية للنظر في رفع الضرر.

والله أعلم.

✍️ أ. د. إسماعيل السَّلْفي

فتاوى ذات صلة