شيخنا الفاضل، نرجو منكم الإفادة الشرعية في مسألة حضانة طفلة. امرأة توفي زوجها، ولها بنت عمرها 7 سنوات. بعد وفاة الزوج بقيت الطفلة مع أمها، ثم تزوجت الأم مرة أخرى، وبقيت الطفلة معها فترة. في البداية، بعد زواج الأم، طلبت أن تأخذ ابنتها معها وبكوا جميعًا، فوافق أهل الأب (الجدة أم الأب) على أن تذهب الطفلة مع أمها، وتم صرف مبالغ بسيطة لها من راتب والدها المتوفى. لكن بعد ذلك لم تستقر حياة الطفلة، حيث أصبحت تتنقل بين بيت أمها وبيوت جداتها (أم الأم وأم الأب)، ولم تحصل على استقرار ثابت. وخلال الفترة: كانت الأم أحيانًا تتعلق بالطفلة بشدة وتبدي خوفًا من فراقها، وتؤثر عليها عاطفيًا، وأحيانًا يحدث انفعال شديد في التعامل معها عند الخلافات. تسكن الأم مع زوجها وأهله في بيت صغير، مما جعل الطفلة لا تشعر بالراحة أو الاستقرار التام. في إحدى المرات حصل خلاف بسبب ترك الطفلة على الجوال لفترة طويلة، وبعده قامت الأم بضرب الطفلة ضربًا شديدًا. وحدثت أيضًا مشادة بين الأم والجدة أم الأب، وصدرت من الأم عبارات تهديد شديدة في لحظة غضب أثناء الخلاف على الطفلة. كما ذُكر من الطفلة كلام عن موقف غير مريح داخل بيت الأم، ولم يتم التحقق منه رسميًا. الجدة أم الأم تعاني من مرض نفسي وحالة غير مستقرة وتقول أحيانًا أمور غير طبيعية. الجدة أم الأب كانت متخوفة من الوضع، خاصة مع عدم استقرار الطفلة، ومع وجود بيئة مزدحمة في بيت الأم. الطفلة الآن: عمرها 7 سنوات غير مستقرة نفسيًا ومعيشيًا تتأثر بالخلافات بين العائلتين تنتقل بين أكثر من بيت دون استقرار ثابت فنرجو منكم التوجيه الشرعي: من الأحق بالحضانة في هذه الحالة؟ ما حكم عدم استقرار الطفلة وتنقلها بين أكثر من بيت؟ كيف يُنظر إلى الانفعال الشديد والضرب على الطفلة في الحكم؟ وما الحكم إذا كانت بعض البيئات غير مستقرة نفسيًا أو صحيًا (مثل حالة الجدة أم الأم)؟ وما هو التصرف الشرعي الصحيح إذا خيف على مصلحة الطفلة؟ جزاكم الله خيرًا ونفع بعلمكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فتوى رقم 3330 — إسماعيل السلفي — 27 أبريل 2026

السؤال

شيخنا الفاضل، نرجو منكم الإفادة الشرعية في مسألة حضانة طفلة.

امرأة توفي زوجها، ولها بنت عمرها 7 سنوات. بعد وفاة الزوج بقيت الطفلة مع أمها، ثم تزوجت الأم مرة أخرى، وبقيت الطفلة معها فترة.

في البداية، بعد زواج الأم، طلبت أن تأخذ ابنتها معها وبكوا جميعًا، فوافق أهل الأب (الجدة أم الأب) على أن تذهب الطفلة مع أمها، وتم صرف مبالغ بسيطة لها من راتب والدها المتوفى.

لكن بعد ذلك لم تستقر حياة الطفلة، حيث أصبحت تتنقل بين بيت أمها وبيوت جداتها (أم الأم وأم الأب)، ولم تحصل على استقرار ثابت.

وخلال الفترة:

كانت الأم أحيانًا تتعلق بالطفلة بشدة وتبدي خوفًا من فراقها، وتؤثر عليها عاطفيًا، وأحيانًا يحدث انفعال شديد في التعامل معها عند الخلافات.

تسكن الأم مع زوجها وأهله في بيت صغير، مما جعل الطفلة لا تشعر بالراحة أو الاستقرار التام.

في إحدى المرات حصل خلاف بسبب ترك الطفلة على الجوال لفترة طويلة، وبعده قامت الأم بضرب الطفلة ضربًا شديدًا.

وحدثت أيضًا مشادة بين الأم والجدة أم الأب، وصدرت من الأم عبارات تهديد شديدة في لحظة غضب أثناء الخلاف على الطفلة.

كما ذُكر من الطفلة كلام عن موقف غير مريح داخل بيت الأم، ولم يتم التحقق منه رسميًا.

الجدة أم الأم تعاني من مرض نفسي وحالة غير مستقرة وتقول أحيانًا أمور غير طبيعية.

الجدة أم الأب كانت متخوفة من الوضع، خاصة مع عدم استقرار الطفلة، ومع وجود بيئة مزدحمة في بيت الأم.

الطفلة الآن:

عمرها 7 سنوات

غير مستقرة نفسيًا ومعيشيًا

تتأثر بالخلافات بين العائلتين

تنتقل بين أكثر من بيت دون استقرار ثابت

فنرجو منكم التوجيه الشرعي:

من الأحق بالحضانة في هذه الحالة؟

ما حكم عدم استقرار الطفلة وتنقلها بين أكثر من بيت؟

كيف يُنظر إلى الانفعال الشديد والضرب على الطفلة في الحكم؟

وما الحكم إذا كانت بعض البيئات غير مستقرة نفسيًا أو صحيًا (مثل حالة الجدة أم الأم)؟

وما هو التصرف الشرعي الصحيح إذا خيف على مصلحة الطفلة؟

جزاكم الله خيرًا ونفع بعلمكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أمَّا بعد:

أوَّلًا: الأصل الشرعي في سقوط حضانة الأم بالزواج

المتقرر في القواعد الشرعية أنَّ زواج الأم برجلٍ أجنبيٍ عن المحضون يُسقط حقها في الحضانة؛ لقول النبي ﷺ للأم: (أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي). والعلة في ذلك انشغالها بحق الزوج الجديد، وعدم استقرار بيئة الطفل لاسيما مع ضيق السكن، وهو ما تحقق في هذه الواقعة، مما يجعل حق الأم في الحضانة ساقطًا شَرْعًا.

ثانيًا: انتقال الحضانة وشرط الأهلية (حالة الجدة لأم)

الضابط الفقهي أنَّ الحضانة إذا سقطت عن الأم فإنها تنتقل لمن تليها في الترتيب الشرعي (وهي الجدة لأم عند جمهور الفقهاء). ولكن يُشترط في الحاضن (الأهلية التامة)، ومن أعظم شروطها: العقل، والقدرة على الرعاية، وتوفير الأمان. وبما أنَّ الجدة لأم تعاني من مرضٍ نفسيٍ وحالةٍ غير مستقرة، فإنَّ حقها في الحضانة يسقط أيضًا شَرْعًا؛ لِعَجْزِهَا عن تحقيق مقصود الحضانة ورعاية الطفلة.

ثالثًا: القاعدة الكبرى (مصلحة المحضون مُقَدَّمَة)

من المسالك الدقيقة في فقه الأسرة أنَّ (مَبْنَى الحَضَانَةِ عَلَى مَصْلَحَةِ المَحْضُونِ). فالأصل في الحضانة الحفظ والصيانة والتربية. والضرب الشديد المبرح من الأم، والانفعالات النفسية الحادة، والتنقل المستمر الذي أرهق الطفلة وشتت ذهنها، يُعدُّ إخلالًا جَسِيمًا بمقاصد الحضانة. والمتقرر فقهًا أنَّه لا حظَّ في الحضانة لِمَن يلحق الضرر بالمحضون بدنيًا أو نفسيًا أو أخلاقيًا.

رابعًا: بناء على ما تقدم

الذي أفتي به:

1. انتقال الحضانة شَرْعًا إلى (الجدة لأب): لسقوط حق الأم بالزواج والتعنيف، وسقوط حق الجدة لأم بانعدام الأهلية لمرضها النفسي. فتكون الجدة لأب هي الأحق والأولى بتوفير البيئة الآمنة والمستقرة لهذه الطفلة اليتيمة.

2. حرمة التشتيت: يَحْرُم شَرْعًا التلاعب بنفسية الطفلة ونقلها المستمر بين البيوت؛ لأنَّ هذا يضر بنشأتها واستقرارها النفسي والمعيشي، وهو منافٍ لمقصد الشرع في رعاية اليتيم.

3. التصرف الشرعي الصحيح: يجب تسليم الطفلة لجدتها (أم أبيها) لتستقر عندها استقرارًا تامًا، مع كفالة حق الأم في (الرؤية والزيارة) بالمعروف وفي أوقاتٍ محددة، دون أن يحق لها انتزاعها من بيئة استقرارها، أو المبيت عندها إذا خُشي على الطفلة من الأذى المعنوي أو البدني.

والله أعلم.

فتاوى ذات صلة