لماذا رغم وجود دليل واحد سواءً كان من القرآن أو السنة يكون هناك عدة استنباطات للعلماء؟ ما هي الأسباب العلمية والأصولية التي تجعل الحكم يحتمل أكثر من حكم رغم أنه دليل واحد؟!

فتوى رقم 3506 — عبدالله إسماعيل — 18 مايو 2026

السؤال

لماذا رغم وجود دليل واحد سواءً كان من القرآن أو السنة يكون هناك عدة استنباطات للعلماء؟ ما هي الأسباب العلمية والأصولية التي تجعل الحكم يحتمل أكثر من حكم رغم أنه دليل واحد؟!

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن تعدد استنباطات العلماء من دليلٍ واحدٍ من القرآن الكريم أو من السنة ليس اضطرابًا في الشرع، ولا تناقضًا في دلالاته، بل هو من سعة الشريعة وعمقها، ومن طبيعة النصوص الشرعية التي جاءت لهداية الناس في كل زمان ومكان. وهذا التعدد له أسباب علمية وأصولية دقيقة، نُجمل أهمها فيما يأتي:

أولًا: اختلاف دلالات الألفاظ في اللغة

النص الشرعي عربي، واللغة العربية واسعة الدلالة، ومن خصائصها:

اللفظ قد يكون عامًّا أو خاصًّا

أو مطلقًا أو مقيّدًا

أو مشتركًا يحتمل أكثر من معنى

فقد يفهم عالم أن اللفظ على عمومه، ويرى آخر أنه مخصوص بدليل آخر، فيختلف الحكم.

ثانيًا: اختلاف قواعد الأصوليين في الاستدلال

علماء الأصول يختلفون في بعض القواعد، مثل:

هل الأمر يقتضي الوجوب أم الندب؟

هل العام يبقى على عمومه أم يُخصّ بالقرائن؟

هل المفهوم (مفهوم المخالفة) حجة أم لا؟

فهذه الاختلافات القاعدية تُنتج اختلافًا في الأحكام.

ثالثًا: اختلافهم في ثبوت الدليل

خصوصًا في السنة:

قد يصح الحديث عند عالم، ويضعف عند آخر

أو يثبت عنده بطريق، ولا يثبت عند غيره

فينبني الحكم على قبول الحديث أو رده.

رابعًا: اختلافهم في فهم النص نفسه

حتى مع اتفاقهم على صحة الدليل:

قد يختلفون في تفسيره

أو في المراد منه

أو في السياق الذي قيل فيه

وهذا باب واسع جدًا في الاجتهاد.

خامسًا: اختلافهم في الجمع بين الأدلة

النصوص الشرعية كثيرة، وقد يبدو بينها تعارض ظاهري، فيجتهد العلماء في:

الجمع بين النصوص

أو الترجيح

أو القول بـ النسخ

وكل مسلك قد يؤدي إلى حكم مختلف.

سادسًا: اختلافهم في تحقيق المناط (تنزيل الحكم)

وهو من أدق أسباب الخلاف:

هل هذه الواقعة تدخل تحت النص أم لا؟

هل الوصف الموجود فيها هو نفسه المذكور في الدليل؟

فقد يتفقون على القاعدة، ويختلفون في تطبيقها.

سابعًا: اختلافهم في اعتبار المقاصد

بعض العلماء يعتني أكثر بـ:

مقاصد الشريعة

المصالح والمفاسد

فيُرجّح حكمًا بناءً على ذلك، بينما غيره يقتصر على ظاهر النص.

ثامنًا: اختلافهم في القراءات والوجوه اللغوية

في القرآن الكريم:

تعدد القراءات يؤدي أحيانًا إلى تعدد المعاني

فيبنى على ذلك اختلاف في الحكم.

تاسعًا: تفاوتهم في العلم والاطلاع

قد يطّلع عالم على دليلٍ لم يبلغه غيره

أو يعرف قرينة خفيت على غيره

فيؤثر ذلك في اجتهاده.

عاشِرًا: طبيعة الاجتهاد البشري

الاجتهاد:

قائم على بذل الوسع

وليس معصومًا من الخطأ

وقد قال النبي ﷺ:

«إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر»

رواه صحيح البخاري وصحيح مسلم.

هل هذا الاختلاف مذموم؟

ليس كل اختلاف مذمومًا، بل هو نوعان:

اختلاف تنوع: وهو محمود (كاختلاف صيغ الأذكار)

اختلاف تضاد: وهو اجتهادي، يُعذر فيه المجتهد

وقد وقع بين الصحابة رضي الله عنهم، ولم يُنكر بعضهم على بعض في مسائل الاجتهاد.

الحكمة من هذا التعدد

إظهار سعة الشريعة

مراعاة أحوال الناس المختلفة

فتح باب الاجتهاد والتجديد

منع الجمود والتضييق

الخلاصة

تعدد الأحكام مع وحدة الدليل ليس تناقضًا، بل سببه:

سعة اللغة

اختلاف القواعد الأصولية

تفاوت الفهم والعلم

تنوع طرق التعامل مع الأدلة

وكل ذلك داخل في إطار الاجتهاد المعتبر شرعًا.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

فتاوى ذات صلة