السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حالكم؟ أسأل الله أن يحفظكم ويبارك فيكم. يا شيخ، لدي سؤال وأحتاج إلى توجيهكم فيه. أنا أعمل مدرسًا في دار لتحفيظ القرآن الكريم في محافظة مأرب، وكذلك أعمل معلمًا في مدرسة لتحفيظ القرآن. وكما تعلمون، تمر مأرب في هذه الفترة بظروف وأحداث أمنية وعسكرية، مع استمرار المواجهات مع الحوثيين. فسؤالي يا شيخ: في مثل هذا الوضع، ما الذي ترونه أولى وأقرب للصواب؟ هل أستمر في عملي في تعليم القرآن والتدريس، وأرى أن هذا من خدمة الدين والمجتمع، أم أن الأولى أن أترك التدريس وأتوجه إلى الجبهة للمشاركة في القتال والدفاع؟ أريد منكم يا شيخ جوابًا واضحًا ومباشرًا، مع بيان أي الأمرين أولى في حقي وفي مثل هذه الظروف، وما الذي ينبغي أن أقدمه شرعًا إذا تعارض الأمران. جزاكم الله خيرًا، ونفع الله بعلمكم.

فتوى رقم 3998 — عبدالله إسماعيل — 16 أغسطس 2026

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حالكم؟ أسأل الله أن يحفظكم ويبارك فيكم.

يا شيخ، لدي سؤال وأحتاج إلى توجيهكم فيه. أنا أعمل مدرسًا في دار لتحفيظ القرآن الكريم في محافظة مأرب، وكذلك أعمل معلمًا في مدرسة لتحفيظ القرآن. وكما تعلمون، تمر مأرب في هذه الفترة بظروف وأحداث أمنية وعسكرية، مع استمرار المواجهات مع الحوثيين.

فسؤالي يا شيخ: في مثل هذا الوضع، ما الذي ترونه أولى وأقرب للصواب؟ هل أستمر في عملي في تعليم القرآن والتدريس، وأرى أن هذا من خدمة الدين والمجتمع، أم أن الأولى أن أترك التدريس وأتوجه إلى الجبهة للمشاركة في القتال والدفاع؟

أريد منكم يا شيخ جوابًا واضحًا ومباشرًا، مع بيان أي الأمرين أولى في حقي وفي مثل هذه الظروف، وما الذي ينبغي أن أقدمه شرعًا إذا تعارض الأمران.

جزاكم الله خيرًا، ونفع الله بعلمكم.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

الأصول التي تُبنى عليها المسألة:

1. أن حفظ الدين وتعليم القرآن من أعظم القربات، وتعليم الناس كتاب الله وحفظه من فروض الكفايات التي تحتاج إليها الأمة.

2. أن الدفاع عن النفس والبلاد عند وقوع العدوان له حكمه الشرعي، وقد يتعين على من تتوافر فيه القدرة بحسب حاله، وبحسب أمر ولي الأمر وتنظيمه وحاجة الميدان.

3. أن فروض الكفايات لا تتعين على كل شخص بعينه ما دام المقصود يتحقق بغيره؛ ولذلك لا يلزم أن يترك كل صاحب عمل نافع عمله ويتوجه إلى القتال.

4. أن تقدير تعين القتال ليس بمجرد رغبة الشخص أو حماسه، وإنما يعرف بحال الميدان، وحاجة المسلمين، ومن صدر إليه التكليف، وقدرته، وما يترتب على خروجه من المصالح والمفاسد.

5. أن المصالح الشرعية تتكامل ولا تتعارض في الأصل؛ فالدفاع عن الناس وحماية البلاد، وتعليم القرآن وحفظ الدين، كلاهما من خدمة الدين، وإنما يقدم الأوجب والأحوج بحسب الحال.

تطبيق هذه الأصول على الواقعة:

كونك معلمًا للقرآن ومشرفًا على تحفيظ كتاب الله لا يعني أنك متخلف عن نصرة الدين إذا لم تذهب إلى الجبهة؛ بل إن بقاءك في التعليم قد يكون هو الواجب المتعين عليك إذا كان وجودك مطلوبًا لاستمرار حلقات القرآن، ولا يوجد من يقوم مقامك، أو كان خروجك يؤدي إلى تعطيل هذا العمل.

وقد ازدادت أهمية التقدير الواقعي في الظروف الحالية؛ إذ تشهد مأرب ومناطق أخرى في اليمن تصعيدًا عسكريًا متجددًا، مع تحذيرات من عودة الصراع إلى نطاق أوسع.

أما إذا صدر إليك تكليف ملزم ممن له الولاية والصلاحية، أو أصبحت مشاركتك في الدفاع متعينة عليك بعينك بسبب حاجة الميدان وعدم قيام غيرك مقامك، فحينئذٍ يكون الدفاع مقدمًا، ولا يجوز لك ترك ما تعين عليك من واجب الدفاع بحجة الاشتغال بالتعليم.

أما إذا لم يتعين عليك القتال، ولم تُكلَّف به، وكان في دار التحفيظ حاجة حقيقية إليك، فاستمرارك في تعليم القرآن هو الأقرب للصواب، ولا ينبغي أن تترك عملًا شرعيًا نافعًا لمجرد الشعور بأن الذهاب إلى الجبهة أعظم أجرًا؛ فليست العبرة بمجرد صورة العمل، وإنما بما تعين على الشخص وبما تتحقق به المصلحة. وقد قرر أهل العلم أن الجهاد إذا كان فرض كفاية لا يتعين على كل فرد، بخلاف حال تعينه.

الخلاصة:

في حالتك كما وصفتها: لا تترك تعليم القرآن لمجرد الرغبة في الذهاب إلى الجبهة، ما دام القتال غير متعين عليك، ولم تُكلَّف به تكليفًا خاصًّا، وكان وجودك في دار التحفيظ محتاجًا إليه. فاستمرارك في تعليم القرآن وحفظ النشء على دينهم عمل عظيم من نصرة الدين، وقد يكون هو الأولى والأوجب في حقك.

أما إذا تعين عليك الدفاع تعينًا شرعيًا، أو صدر إليك تكليف ملزم ممن له الولاية والصلاحية، أو لم يوجد من يقوم مقامك في موضع الدفاع، فتقدم حينئذٍ واجب الدفاع على العمل الذي هو فرض كفاية.

والله أعلم.

فتاوى ذات صلة