أخي -هداه الله- سُئل: هل استلمت الراتب؟ فقال: لا، ثم قال: "حرام طلاق ما قد استلمت ريال"، مع أنه قد استلمه له صاحبه وهو يعرف، أو أنه قد قال له يستلمه له.. أفتونا حفظكم الله.. لأنهم يقولون تعتبر طلقة.

فتوى رقم 3543 — إسماعيل السلفي — 21 مايو 2026

السؤال

أخي -هداه الله- سُئل: هل استلمت الراتب؟ فقال: لا، ثم قال: "حرام طلاق ما قد استلمت ريال"، مع أنه قد استلمه له صاحبه وهو يعرف، أو أنه قد قال له يستلمه له.. أفتونا حفظكم الله.. لأنهم يقولون تعتبر طلقة.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أمَّا بعد:

هداه الله وعفا عنه، فقد جمع أخوك في هذا الموقف بين منكرين عظيمين: (الكذب المتعمد) و(التلاعب بأيمان الطلاق)، والمشروع للمسلم حفظ لسانه وصيانة ميثاق الزوجية الغليظ عن هذه السفاسف.

أولًا:

المتقرر في القواعد الشرعية أنَّ الحلف بغير الله (كالحلف بالطلاق والحرام) أمرٌ (مُحَرَّمٌ وَبِدْعَةٌ) لا يجوز للمسلم الإقدام عليه. فإذا حلف الرجل بالطلاق كاذبًا متعمدًا على أمرٍ قد مضى وانتهى وهو يعلم خلافه، فهذا ما يُسميه الفقهاء بـ (اليَمِينِ الغَمُوسِ)؛ وسُميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم، وهي من كبائر الذنوب التي تُوجب سخط الله إن لم يتب صاحبها.

ثانيًا:

الضابط الفقهي في وقوع الطلاق في هذه المسألة؛ مبنيٌ على (نِيَّةِ الحَالِفِ) عند المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية ومن وافقه، وهو المعمول به في كثير من لجان الفتوى والمحاكم. فبما أنَّ أخاك قصد بهذا اللفظ (تَأْكِيدَ كَذِبِهِ وَإِخْفَاءَ أَمْرِ الرَّاتِبِ) ولم يقصد أَصْلًا إيقاع الفراق وطلاق زوجته، فإنَّ (الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ)، ولا تُحسب عليه طلقة؛ لأنَّها يمينٌ أُريد بها التأكيد لا حل عقد النكاح. وأمَّا قول بعض الناس أنها تعتبر طلقة، فهو مبنيٌ على مذهب الجمهور الذين يوقعون الطلاق المعلق مطلقًا، والفتوى اليوم على خلافه تيسيرًا وحفظًا للبيوت.

ثالثًا:

من المسالك الدقيقة في معالجة (اليمين الغموس بالطلاق)؛ أنَّ صاحبها يلزمه شَرْعًا أمران متلازمان:

الأول: (التَّوْبَةُ النَّصُوحُ) والاستغفار الشديد من كبيرة الكذب واليمين الفاجرة.

الثاني: إخراج (كَفَّارَةِ يَمِينٍ) إبراءً للذمة وخروجًا من خلاف من أوجبها من أهل العلم في اليمين الغموس؛ وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يُطعم أهله، أو كسوتهم.

بناءً على ما تقدم؛ الذي أفتي به:

أنَّ زوجة أخيك (لَا تَطْلُقُ) بهذه اليمين، وعصمة النكاح باقيةٌ كما هي؛ لكونه قَصَدَ إخفاء الأمر وتأكيد كلامه ولم يقصد إيقاع الطلاق بقلبه.

أنَّ أخاك قد ارتكب إثمًا عظيمًا وكبيرةً من الكبائر بحلفه كاذبًا، والواجب عليه ديانةً المبادرة إلى التوبة الصادقة وكثرة الاستغفار.

يلزمه إخراج (كَفَّارَةِ يَمِينٍ) جبرًا ليمينه الكاذبة، وهي إطعام عشرة مساكين، مع ضرورة تعويد اللسان على ترك الحلف بالطلاق مُطْلَقًا.

والله أعلم.

فتاوى ذات صلة