تشاجرتُ مع زوجي وخرجتُ من البيت ذاهبةً إلى بيت صديقتي، فاتصل بي وقال: "إن لم ترجعي الآن فأنتِ طالق". كانت مسافة الطريق تستغرق حوالي ربع ساعة، لكنني استغرقتُ وقتاً إضافياً في توديع صديقتي، فلم أصل إلى المنزل إلا بعد نصف ساعة. وعندما دخلتُ المنزل كان لا يزال غاضباً، فقال لي: "إن لم تخرجي الآن إلى بيت أهلكِ فأنتِ طالق". علماً بأن بيت أهلي يقع في صنعاء، وأنا حالياً أقيم في مأرب، وليس لي أهل أخرج إليهم. فما الحكم الشرعي في هاتين الحالتين؟

فتوى رقم 3567 — عبدالله إسماعيل — 23 مايو 2026

السؤال

تشاجرتُ مع زوجي وخرجتُ من البيت ذاهبةً إلى بيت صديقتي، فاتصل بي وقال: "إن لم ترجعي الآن فأنتِ طالق". كانت مسافة الطريق تستغرق حوالي ربع ساعة، لكنني استغرقتُ وقتاً إضافياً في توديع صديقتي، فلم أصل إلى المنزل إلا بعد نصف ساعة.

وعندما دخلتُ المنزل كان لا يزال غاضباً، فقال لي: "إن لم تخرجي الآن إلى بيت أهلكِ فأنتِ طالق". علماً بأن بيت أهلي يقع في صنعاء، وأنا حالياً أقيم في مأرب، وليس لي أهل أخرج إليهم.

فما الحكم الشرعي في هاتين الحالتين؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه المسألة تُبنى على جملة من الأصول والقواعد المهمة، ومن أهمها:

الأصل بقاء النكاح، فلا يزول إلا بيقين.

أن الطلاق لا يقع مع الشك والاحتمال.

أن الطلاق المعلَّق لا يقع إلا بتحقق الشرط يقينًا على الوجه الذي قصده المتكلم ويفهمه العرف.

أن ألفاظ الناس تُحمل على العرف المعتاد والإمكان الممكن، لا على التدقيق المتكلف أو الأمور المتعذرة.

أن الشروط المتعذرة أو غير المنضبطة لا يثبت بها الطلاق بمجرد الاحتمال.

وبناءً على ذلك:

أولًا: قوله: «إن لم ترجعي الآن فأنتِ طالق»

فلفظ «الآن» ليس لفظًا منضبطًا بالدقائق والثواني، وإنما يُرجع فيه إلى العرف، والمقصود به المبادرة وعدم الامتناع. ومادامت الزوجة رجعت فعلًا ولم ترفض الرجوع، وإنما حصل تأخير يسير في حدود الزمن المعتاد للطريق ونحوه، فلا يتحقق الشرط تحققًا يقينيًا.

وعليه: فالأقرب عدم وقوع الطلاق الأول؛ لأن الشرط لم يتحقق بيقين، والنكاح لا يزول بالاحتمال.

ثانيًا: قوله: «إن لم تخرجي الآن إلى بيت أهلك فأنتِ طالق»

فهذه العبارة عُلِّقت على أمر متعذر أو غير ممكن التنفيذ فورًا؛ لأن أهلها في بلد آخر، ولا يمكن الوصول إليهم حالًا. والألفاظ تُحمل على الإمكان المعتاد، لا على المستحيل أو المتعذر.

ثم إن هذه العبارة صدرت — بحسب ظاهر السؤال — قبل استقرار حكم الطلقة الأولى أو قبل تحقق الرجعة العملية الكاملة بعد النزاع والعودة الهادئة بين الزوجين.

وهنا تُبحث مسألة مهمة: هل يقع الطلاق الثاني قبل تحقق الرجعة أو استقرار الزوجية بعد الأول؟

إذا فُرض وقوع الطلاق الأول — جدلًا — فإن الزوجة تكون قد دخلت في حكم المطلقة الرجعية إن كانت الطلقة أولى أو ثانية، والطلاق الرجعي لا يزيل أصل الزوجية فورًا، بل تبقى الزوجة في حكم الزوجات ما دامت في العدة.

وعليه: يجوز عند جمهور الفقهاء إيقاع طلاق آخر على الرجعية أثناء العدة؛ لأنها لا تزال زوجة من وجه. لكن مع ذلك يبقى وقوع الطلاق الثاني هنا متوقفًا على تحقق شرطه أصلًا.

ولما كان الشرط الثاني:

غير منضبط.

ومتعلقًا بأمر متعذر في الحال.

ومحتمل المعنى عرفًا.

فلا يثبت وقوع الطلاق به مع هذا الاحتمال.

النتيجة:

الطلاق الأول: الأقرب عدم وقوعه؛ لأن لفظ «الآن» لفظ عرفي غير منضبط، وقد حصل الرجوع في الجملة.

الطلاق الثاني: الأقرب عدم وقوعه أيضًا؛ لأن الشرط معلق على أمر غير ممكن التنفيذ فورًا، والطلاق لا يقع بالشك ولا بالتعذر.

ومع هذه الاحتمالات والقواعد، فالأصل بقاء النكاح وعدم زواله.

الخلاصة:

الأقرب — والله أعلم — عدم وقوع الطلاق في الصورتين؛ لأن:

الشرط الأول غير منضبط وقد حصل الرجوع عرفًا.

الشرط الثاني متعلق بأمر متعذر أو غير ممكن التنفيذ حالًا.

الطلاق المعلق لا يقع إلا بتحقق الشرط يقينًا على الوجه المقصود عرفًا.

الأصل بقاء النكاح وعدم زواله بالاحتمال.

والله أعلم.

فتاوى ذات صلة