بعد شرائي لباص بفترة قريبة، تعرضت لحادث مروري في إحدى الطرقات بسبب خلل فني مفاجئ في الباص منعني من التحكم بالفرامل أثناء الدوران. ونتيجة لذلك، حاول اثنان من الركاب القفز من الباص، فانقلب الباص عليهما وتوفيا مباشرة، وأصيب راكب ثالث بنزيف في الدماغ وتوفي بعد مرور أربعة أيام. فهل عليّ إثم في ذلك؟ وما الواجب عليّ فعله شرعاً، علماً أنه لم يكن لدي أي قصد أو تعمد في وقوع هذا الحادث؟

فتوى رقم 3637 — إسماعيل السلفي — 10 يونيو 2026

السؤال

بعد شرائي لباص بفترة قريبة، تعرضت لحادث مروري في إحدى الطرقات بسبب خلل فني مفاجئ في الباص منعني من التحكم بالفرامل أثناء الدوران. ونتيجة لذلك، حاول اثنان من الركاب القفز من الباص، فانقلب الباص عليهما وتوفيا مباشرة، وأصيب راكب ثالث بنزيف في الدماغ وتوفي بعد مرور أربعة أيام. فهل عليّ إثم في ذلك؟ وما الواجب عليّ فعله شرعاً، علماً أنه لم يكن لدي أي قصد أو تعمد في وقوع هذا الحادث؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أمَّا بعد:

حياك الله أخي الكريم، وعظم الله أجرك، وجبر مصابك، ورحم المتوفين. هذه النازلة من القضايا المعاصرة الدقيقة التي حررتها المجامع الفقهية بناءً على ضوابط الجنايات ومسؤولية السائق في الشريعة الإسلامية.

أوَّلًا: المتقرر في القواعد الشرعية أنَّ انتفاء القصد والتعمد يُسقط عنك إثم (القَتْلِ العَمْدِ) قَطْعًا، ولا تُوصف بكونك قاتِلًا عَمْدًا. وما حدث يُصنف فِقْهِيًّا إمَّا ضمن (القَتْلِ الخَطَأِ) الموجب للضمان المالي والكفارة، أو (الحَادِثِ القَدَرِيِّ) المعفو عنه تَمَامًا، ومناط التفريق بينهما هو ثبوت نسبة (التَّفْرِيطِ أَوِ التَّعَدِّي) عليك من عدمه.

ثانيًا: الضابط الفقهي في حوادث السير الناتجة عن خللٍ فنيٍّ؛ أنَّ السائق يُعدُّ (مُبَاشِرًا) للحادث، والقاعدة أنَّ (المُبَاشِرَ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ). بَيْدَ أنَّ مجمع الفقه الإسلامي أفتى بأنَّ السائق يُعفى من المسؤولية في حَالَةِ وجود (قُوَّةٍ قَاهِرَةٍ) أو خللٍ ميكانيكيٍّ مفاجئ لا حيلة له في دفعه، ولم يكن بالإمكان اكتشافه بالفحص المعتاد. ولكن، بما أنك اشتريت الباص (قَرِيبًا)، فإنَّ تحديد التفريط يرجع لـ (تَقْرِيرِ المُرُورِ). فإذا أثبت التقرير أنك أهملت في فحص المكابح بعد الشراء، أو كنت تقود بسرعةٍ لا تتناسب مع المنعطف، فأنت ضامنٌ وتتحمل المسؤولية الخطأ. أمَّا إذا أثبت التقرير أنك قمت بالفحص المطلوب، وأنَّ الخلل كان مفاجئًا ومستحيل التدارك، وكنت ملتزِمًا بقواعد السير، فلا ضمان عليك.

ثالثًا: من المسالك الدقيقة في تحديد الواجب الشرعي تجاه تصرف الركاب؛ أنَّ قفز الراكبينِ كان نتيجة هلعٍ مسببه الحادث، وانقلاب الباص عليهما هو سبب الوفاة المُباشر، وكذلك الراكب الثالث الذي توفي متأثِرًا بنزيفه. فإذا أثبت تقرير المرور أو المحكمة أيَّ نسبة إدانةٍ عليك في الحادث (ولو كانت يَسِيرَةً)، فيلزمك الآتي:

الكفارة (حق الله): تجب عليك كفارة القتل الخطأ، وهي (صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) عن كُلِّ مُتَوَفَّىً؛ أي يلزمك صيام ستة أشهر مُتتابعة (كل شهرين على حدة)، ولا يُنتقل للإطعام في كفارة القتل عند جمهور الفقهاء.

الدية (حق الآدمي): وتتحملها (العَاقِلَةُ) -وهم عصبتك من الرجال- أو (شَرِكَةُ التَّأْمِينِ) التي تحل محلهم عُرْفًا، وتُدفع لورثة المتوفين بحسب نسبة الخطأ المقررة عليك.

بناءً على ما تقدم؛ الذي أفتي به:

لا إثم عليك فيما يخص نية القتل لانتفاء العمد، ولكن يثبت حكم (القَتْلِ الخَطَأِ) إن ثبت عليك تفريط.

العبرة بتقرير الجهات الرسمية (المرور أو المحكمة)؛ فإن حَمَّلَكَ نسبةً من الخطأ بسبب إهمالٍ في فحص الباص المُشترى قَرِيبًا أو سرعةٍ زائدة، لزمتك الكفارة (صيام شهرين متتابعين عن كل متوفى) ولزمت عاقلتك أو تأمينك الديات.

إن برَّأك التقرير تَمَامًا بنسبة 100% واعتبره خللًا قاهِرًا لا قِبَل لك بتداركه، فلا دية عليك ولا كفارة، وتبرأ ذمتك شَرْعًا.

والله أعلم.

فتاوى ذات صلة