والدي متوفى منذ أربعة أيام فقط، رحمه الله تغشاه وأسكنه فسيح جناته. لقد أخبرني والدي قديماً (في أيام شبابه وطيشه) أنه أخذ مع أصدقائه كبشاً وذبحوه وأكلوه دون أن يدفعوا ثمنه، ولم أفهم تفاصيل القصة تماماً، لكن الذي فهمته أن الأمر تم إما إحراجاً أو غصباً، وأظن أن صاحب الكبش قد توفي منذ زمن طويل. فهل يجوز لي الآن أن أذبح كبشاً في عزاء أبي لإطعام الناس، وأعتبره بدلاً عن الكبش الذي ذكره لي، وتكون صدقة لروح صاحب الكبش الأصلي؟

فتوى رقم 3638 — إسماعيل السلفي — 10 يونيو 2026

السؤال

والدي متوفى منذ أربعة أيام فقط، رحمه الله تغشاه وأسكنه فسيح جناته. لقد أخبرني والدي قديماً (في أيام شبابه وطيشه) أنه أخذ مع أصدقائه كبشاً وذبحوه وأكلوه دون أن يدفعوا ثمنه، ولم أفهم تفاصيل القصة تماماً، لكن الذي فهمته أن الأمر تم إما إحراجاً أو غصباً، وأظن أن صاحب الكبش قد توفي منذ زمن طويل. فهل يجوز لي الآن أن أذبح كبشاً في عزاء أبي لإطعام الناس، وأعتبره بدلاً عن الكبش الذي ذكره لي، وتكون صدقة لروح صاحب الكبش الأصلي؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أمَّا بعد:

أحسن الله عزاءك أخي الكريم، وجبر مصابك، وغفر لوالدك. ومبادرتك هذه لإبراء ذمة والدك فور وفاته هي من أعظم وأصدق أبواب (بِرِّ الوَالِدَيْنِ) بعد موتهما، فنسأل الله أن يكتب أجرك.

في مسألتك تفصيلٌ فقهيٌّ لضمان براءة ذمة والدك براءةً تامةً مُتحققة:

أوَّلًا: المتقرر في القواعد الشرعية أنَّ حقوق الآدميين مبنيةٌ على المشاحة، ولا تسقط بالموت ولا بالتقادم الزمني. والواجب في هذه المظالم أن تُرَدَّ إلى صاحبها إن كان حَيًّا، أو تُدفع إلى (وَرَثَتِهِ) إن كان مَيِّتًا. لذا؛ يجب عليك أَوَّلًا الاجتهاد في البحث عن صاحب الكبش أو ورثته لرد قيمته إليهم، فهذا حقٌّ ماليٌّ خالصٌ لهم.

ثانيًا: الضابط الفقهي في حال الجهل المطلق بالورثة وانقطاع السبل للوصول إليهم؛ أنَّ الشريعة جعلت المخرج في (التَّصَدُّقِ بِالقِيمَةِ) بِنِيَّةِ صاحب الحق الأصلي. فتقوم بتقدير قيمة كبشٍ مُشابهٍ في وقتنا الحاضر، وتتصدق به (عَنْ صَاحِبِ الكَبْشِ)، فإن عُلم ورثته يومًا ما، خُيِّروا بين إمضاء الصدقة أو أخذ المال (ويكون أجر الصدقة حينها لوالدك).

ثالثًا: من المسالك الدقيقة والمهمة في مسألتك المتعلقة بـ (الذَّبْحِ فِي العَزَاءِ)؛ أنَّ هذا التصرف (لَا يُجْزِئُ) في إبراء ذمة والدك، ولا يُعدُّ سدادًا للمظلمة، وذلك لِعِلَّتَيْنِ:

أنَّ صُنع أهل الميت للطعام وجمع الناس عليه في العزاء يُعدُّ من (النياحة) عند جماهير الفقهاء؛ لقول جرير بن عبد الله رضي الله عنه: «كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أهْلِ المَيِّتِ وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ». والسُّنة أن يُصنع الطعام لأهل الميت، لا أن يصنعوه هم للناس.

أنَّ التصدق برد المظالم الواجبة يجب أن يُصرف لـ (الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ) حَصْرًا. والمعتاد في مجالس العزاء أن يأكل منها الغني والفقير، والقريب والبعيد، فلا يقع هذا المال موقعه الشرعي كبدلٍ عن حقٍّ مغصوب.

بناءً على ما تقدم؛ الذي أفتي به:

يجب عليك إخراج قيمة الكبش في وقتنا الحاضر، أو ذبح كبشٍ جديد، وتوزيعه حَصْرًا على الفقراء والمحتاجين بِنِيَّةِ الصدقة عن (صَاحِبِ الكَبْشِ الأَصْلِيِّ).

(لَا يَجُوزُ) جعل هذه الصدقة الواجبة ضمن طعام العزاء للناس؛ لِمَا فيه من مخالفة السُّنة، ولأنَّ العزاء ليس مَصْرِفًا شرعيًّا للصدقات الواجبة.

متى ما أوصلت قيمة الكبش أو لحمه للفقراء بهذه النية، فقد بَرِئَتْ ذمة والدك -إن شاء الله- وسقطت عنه المطالبة بحق الآدمي.

والله أعلم.

فتاوى ذات صلة