شخص كان حاجًّا في مكة، ولظرف طارئ اضطر للسفر قبل أن تنتهي أيام رمي الجمرات، فوكّل شخصًا آخر ليرمي عنه. وقبل أن يسافر طاف طواف الوداع وحلق أو قصّر وخرج من مكة، وقال للوكيل: "ارمِ عني، وإذا تعجلت في يومين فهذا أفضل، ولا أريد أن أشق عليك". والوكيل وافق وكان يعلم أن المقصود هو الرمي مع التعجل في يومين. لكن الوكيل من تلقاء نفسه لم يتعجل، بل أتمّ اليوم الثالث ورمى عنه دون أن يرجع ويستأذنه أو يخبره. فما حكم هذا الرمي الزائد؟ وهل على الحاج شيء أو فدية، أم أن حجه صحيح ولا يلزمه شيء لأن الزيادة كانت من تصرف الوكيل؟ جزاكم الله خيرًا.

فتوى رقم 3714 — عبدالله إسماعيل — 20 يونيو 2026

السؤال

شخص كان حاجًّا في مكة، ولظرف طارئ اضطر للسفر قبل أن تنتهي أيام رمي الجمرات، فوكّل شخصًا آخر ليرمي عنه. وقبل أن يسافر طاف طواف الوداع وحلق أو قصّر وخرج من مكة، وقال للوكيل: "ارمِ عني، وإذا تعجلت في يومين فهذا أفضل، ولا أريد أن أشق عليك". والوكيل وافق وكان يعلم أن المقصود هو الرمي مع التعجل في يومين.

لكن الوكيل من تلقاء نفسه لم يتعجل، بل أتمّ اليوم الثالث ورمى عنه دون أن يرجع ويستأذنه أو يخبره.

فما حكم هذا الرمي الزائد؟ وهل على الحاج شيء أو فدية، أم أن حجه صحيح ولا يلزمه شيء لأن الزيادة كانت من تصرف الوكيل؟ جزاكم الله خيرًا.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فهذه المسألة تُبنى على جملة من الأصول والقواعد: أن الوكالة عقدُ إذنٍ وتصرف، والأصل أن الوكيل يتقيد بما أذن له فيه موكله، ولا يجوز له مخالفة حدود الوكالة إلا فيما جرى به العرف أو اقتضته مصلحة ظاهرة. أن فعل الوكيل يقع عن موكله فيما دخل في حدود الإذن، أما ما خرج عن الإذن فحكمه تابع لطبيعته وآثاره. أن التعجل في الحج رخصة مشروعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. أن الرمي في اليوم الثالث من أيام التشريق عبادة مشروعة في نفسها، وليست محظورًا ولا معصية. أن الأصل براءة ذمة المكلف، فلا تُشغل بفدية أو ضمان إلا بدليل بيّن. تطبيق هذه الأصول على الواقعة هذه المسألة تتوقف أولًا على فهم مقصود الحاج عند التوكيل. فإن كان الحاج قد فوّض الوكيل في أصل الرمي فقط، وقال له: "إن تعجلت فهو أفضل ولا أريد أن أشق عليك" على سبيل الرغبة والاختيار، لا على سبيل التقييد الملزم، فحينئذٍ يكون الوكيل قد أدى الرمي المشروع، سواء تعجل أو تأخر، ولا إشكال في ذلك. أما إذا كان الحاج قد قيد الوكالة صراحة بأن يرمي عنه في اليومين فقط، وأن يتعجل ولا يرمي في اليوم الثالث، فهنا يكون الوكيل قد خالف ما أُذن له فيه من جهة صورة الأداء. لكن مع ذلك فإن المخالفة هنا ليست بترك واجب أو الوقوع في محظور، وإنما هي زيادة في عبادة مشروعة؛ إذ الرمي في اليوم الثالث مشروع للحاج المتأخر. ومن ثم فإن أثر هذه المخالفة يتعلق بالوكالة من حيث موافقة أمر الموكل أو مخالفته، لا بصحة الحج ولا بلزوم الفدية. كما أن الحاج نفسه لم يختر التأخر، ولم يأمر به، ولم يباشره، بل حصل من الوكيل باجتهاده هو. الحكم الشرعي حج هذا الحاج صحيح، ولا فدية عليه، ولا يلزمه شيء بسبب رمي الوكيل في اليوم الثالث. فإن كان التعجل المذكور في كلام الحاج على سبيل التفضيل والاستحباب، فالوكيل لم يخالف أصل الوكالة أصلاً. وإن كان على سبيل التقييد والإلزام، فالوكيل يكون قد خالف ما طلبه موكله من جهة الوكالة، لكن هذه المخالفة لا يترتب عليها بطلان الرمي، ولا فساد الحج، ولا وجوب دم على الحاج؛ لأن الرمي الذي فعله الوكيل في اليوم الثالث رمي مشروع في نفسه، وإنما وقع التجاوز من جهة الوكالة لا من جهة صحة النسك. الخلاصة إذا وكّل الحاج من يرمي عنه، ثم طلب منه التعجل في يومين، فخالف الوكيل وتأخر ورمى في اليوم الثالث من تلقاء نفسه، فإن حج الحاج صحيح ولا فدية عليه، ولا يلزمه شيء؛ لأن الرمي في اليوم الثالث مشروع أصلًا، والزيادة صدرت من الوكيل لا من الحاج. غاية ما في الأمر أن الوكيل يكون قد خالف توجيه موكله إذا كان التعجل مقصودًا على سبيل الإلزام. والله أعلم.

فتاوى ذات صلة