إذا أخذت قرضًا زراعيًا من البنك لشراء البذور، واتفقت أنا وصاحب البذور أن يزيد كمية البذور على حاجتي، ثم يشتريها البنك منه ويبيعها لي، وبعد ذلك يرجع لي صاحب البذور قيمة الكمية الزائدة نقدًا حتى أدفع بها أجرة الحراثة والعمال. فهل هذا يدخل في الربا أو التحايل المحرم؟ أم يجوز لي ذلك؛ لأنني لم آخذ الزيادة لمصاريف شخصية، وإنما صرفتها في أجرة الحراثة والعمال المتعلقة بالزراعة؟ جزاكم الله خيرًا.

فتوى رقم 3720 — عبدالله إسماعيل — 20 يونيو 2026

السؤال

إذا أخذت قرضًا زراعيًا من البنك لشراء البذور، واتفقت أنا وصاحب البذور أن يزيد كمية البذور على حاجتي، ثم يشتريها البنك منه ويبيعها لي، وبعد ذلك يرجع لي صاحب البذور قيمة الكمية الزائدة نقدًا حتى أدفع بها أجرة الحراثة والعمال. فهل هذا يدخل في الربا أو التحايل المحرم؟ أم يجوز لي ذلك؛ لأنني لم آخذ الزيادة لمصاريف شخصية، وإنما صرفتها في أجرة الحراثة والعمال المتعلقة بالزراعة؟ جزاكم الله خيرًا.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فهذه المسألة تُبنى على جملة من الأصول والقواعد: أن الأصل في المعاملات المالية الصحة والجواز حتى يقوم دليل المنع. أن العبرة في العقود بحقائقها ومقاصدها لا بمجرد صورها وألفاظها. أن البيع إذا استوفى أركانه وشروطه، وانتقلت فيه الملكية والضمان إلى المشتري انتقالًا حقيقيًا، كان بيعًا صحيحًا في الأصل. أن التحايل على الربا أو على المحرمات ممنوع شرعًا، لأن المقصود معتبر كما أن الصورة معتبرة. أن الحاجة إلى السيولة لا تبيح الربا، لكنها قد تبرر اللجوء إلى صور تمويلية مشروعة إذا استوفت شروطها الشرعية. أن مسائل المعاملات المعاصرة قد يقع فيها خلاف معتبر بسبب اختلاف العلماء في توصيف المعاملة وتحقيق مناطها. تطبيق هذه الأصول على الواقعة الصورة المسؤول عنها هي أن البنك يمول شراء البذور بطريق المرابحة، فيشتري البذور من المورد ثم يبيعها للمزارع، ويتم الاتفاق مع المورد على زيادة كمية من البذور فوق الحاجة الفعلية، ثم يقوم المورد بإعادة قيمة هذه الكمية نقدًا للمزارع ليستعين بها على أجرة الحراثة والعمال وسائر تكاليف الزراعة. وهذه الصورة وقع فيها خلاف بين أهل العلم المعاصرين: القول الأول: المنع ويرى أصحاب هذا القول أن الاتفاق المسبق على زيادة الكمية ثم إرجاع قيمتها نقدًا يدل على أن المقصود الحقيقي من هذه الزيادة ليس البذور، وإنما الحصول على النقد، فتكون السلعة مجرد وسيلة شكلية للوصول إلى السيولة، وهذا من التحايل الممنوع شرعًا. ويستدل أصحاب هذا القول بأن العقود معتبرة بمقاصدها، وأن إدخال سلعة لا حاجة إليها لمجرد استخراج النقد ينافي المقصود الحقيقي للبيع. القول الثاني: الجواز ويرى أصحاب هذا القول أن المعاملة جائزة إذا تحققت فيها الشروط الآتية: أن البنك تملك البذور حقيقة قبل بيعها. وأن البيع للمزارع كان بيعًا صحيحًا مستوفيًا للشروط. وأن البذور دخلت في ملك المزارع وضمانه. وأن استرداد المورد لبعضها أو شرائها منه كان بعد تمام الملك وانتقالها إليه. وعلى هذا التكييف يقولون إن المزارع يملك البذور بعد شرائها، ومن حقه أن يبيع ما شاء منها ويستفيد من ثمنه، سواء أنفقه على الحراثة أو العمال أو غير ذلك. وجه الترجيح والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن المنع أقوى إذا كانت الزيادة صورية محضة، وأُدرجت في العقد ابتداءً لمجرد الحصول على النقد، ولم يكن المقصود تملكها أو الانتفاع بها أصلًا؛ لأن العبرة حينئذٍ بالمقصد الحقيقي للمعاملة لا بصورة العقد. أما إذا كانت المعاملة مستوفية لشروط المرابحة الحقيقية، وانتقلت الملكية فعلًا إلى المزارع، ولم تكن هناك صورية أو تحايل ظاهر، فهذه الصورة أقرب إلى موضع الخلاف والاجتهاد، وقد قال بجوازها بعض أهل العلم والهيئات الشرعية المعاصرة. ولذلك لا يصح الجزم بأن كل صورة من هذه المعاملة ربا محض، كما لا يصح إطلاق الجواز في جميع صورها؛ بل الحكم يختلف بحسب حقيقة الترتيب القائم بين الأطراف. الحكم الشرعي هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم المعاصرين. والأقرب أن الصورة التي تكون فيها الزيادة مدخلة في العقد ابتداءً لمجرد الحصول على النقد، دون حاجة حقيقية إلى البذور الزائدة، لا تجوز؛ لأنها أقرب إلى التحايل على التمويل النقدي. أما إذا كانت المعاملة حقيقية، والبيع صحيحًا، والملكية قد انتقلت للمشتري انتقالًا تامًا، ثم تصرف في بعض ما ملكه تصرفًا مشروعًا، فهذه صورة قال بجوازها بعض أهل العلم المعاصرين، وهي موضع اجتهاد وخلاف. الخلاصة المسألة خلافية بين أهل العلم المعاصرين، وليست من المسائل المتفق على منعها. لكن إذا كانت الزيادة في البذور مقصودة من البداية لاستخراج النقد فقط، فالمنع هو الأقرب؛ لأن المقصود الحقيقي هو السيولة لا السلعة. أما إذا تحققت الملكية الحقيقية وانتفت الصورية والتحايل، فهناك من أهل العلم من أجاز ذلك، وإن كان الاحتياط تركه والخروج من الخلاف إلى صور تمويل أوضح وأبعد عن الشبهة. والله أعلم.

فتاوى ذات صلة