لدي أحد الإخوة، وهو شخص مجاهد في سبيل الله، وقعت معه واقعة فخرج عن طوره (فقد السيطرة على غضبه) وظاهرَ زوجته، حيث قال لها: "أنتِ محرمة عليَّ كحرمة أمي". الحكم في هذه الحالة واضح وهو صيام شهرين متتابعين، وقد حاول بالفعل صيام شهرين متتابعين فصام 18 يوماً، ولكنه لم يستطع إكمال الباقي لكونه مجاهداً وعمله في الصحراء، ومعروف شدة حر الصحراء ومشقتها، كما أنه يخشى أن يقع في المحظور كونه يلتقي بزوجته. فهل يجوز له في هذه الحالة الانتقال إلى إطعام ستين مسكيناً؟

فتوى رقم 3750 — عبدالله إسماعيل — 28 يونيو 2026

السؤال

لدي أحد الإخوة، وهو شخص مجاهد في سبيل الله، وقعت معه واقعة فخرج عن طوره (فقد السيطرة على غضبه) وظاهرَ زوجته، حيث قال لها: "أنتِ محرمة عليَّ كحرمة أمي".

الحكم في هذه الحالة واضح وهو صيام شهرين متتابعين، وقد حاول بالفعل صيام شهرين متتابعين فصام 18 يوماً، ولكنه لم يستطع إكمال الباقي لكونه مجاهداً وعمله في الصحراء، ومعروف شدة حر الصحراء ومشقتها، كما أنه يخشى أن يقع في المحظور كونه يلتقي بزوجته.

فهل يجوز له في هذه الحالة الانتقال إلى إطعام ستين مسكيناً؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه المسألة تُبنى على جملة من الأصول والقواعد:

أن الظهار من المحرمات العظيمة، وقد جعل الله له كفارة مرتبة لا يُنتقل فيها إلى الخَصلة التالية إلا عند العجز عن التي قبلها.

أن الله تعالى قال في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.

أن العبرة في الانتقال من الصيام إلى الإطعام بالعجز عن الصيام، لا بمجرد المشقة المعتادة.

أن المشقة التي يترتب عليها ضرر ظاهر أو يغلب معها عدم القدرة على إتمام الصيام تُعتبر شرعاً في باب التكاليف.

أن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ويقول النبي ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».

تطبيق هذه الأصول على الواقعة:

إذا كان هذا الرجل قد ظاهر من زوجته بقوله: "أنتِ عليَّ كحرمة أمي" أو ما في معناه، فقد وجبت عليه كفارة الظهار قبل العودة إلى معاشرة زوجته.

وبحسب السؤال فإنه بدأ بالفعل في صيام الشهرين المتتابعين، وصام ثمانية عشر يوماً، ثم عجز عن المواصلة بسبب طبيعة عمله الشاقة في الصحراء وما يصاحبها من الحر الشديد والمشقة البالغة.

وهنا يُنظر في حقيقة الحال:

فإن كان يستطيع الصيام مع المشقة المعتادة، أو يمكنه تأخير الصيام إلى وقت أبرد أو أخف عملاً، فلا يجوز له الانتقال إلى الإطعام؛ لأن الواجب ما زال في مقدوره.

أما إذا كان يغلب على الظن أنه لا يستطيع إكمال الصيام، أو أن الصيام يلحق به ضرراً معتبراً، أو أن طبيعة عمله اللازمة لا تمكنه من أداء الصيام أداءً صحيحاً، وكان العجز حقيقياً لا مجرد مشقة محتملة، فإنه يدخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.

وأما كونه يخشى الوقوع في المحظور بسبب حاجته إلى زوجته، فهذه وحدها ليست سبباً مستقلاً للانتقال إلى الإطعام عند جمهور أهل العلم، لكن تُضم إلى بقية الظروف عند تقدير القدرة والعجز.

الحكم الشرعي:

إذا كان عجزه عن إكمال صيام الشهرين عجزاً حقيقياً بسبب ما يلحقه من ضرر أو عدم قدرة معتبرة شرعاً، جاز له الانتقال إلى إطعام ستين مسكيناً. أما إذا كان يستطيع الصيام مع تحمل المشقة المعتادة، أو يمكنه إكماله في وقت آخر، فلا ينتقل إلى الإطعام حتى يعجز عن الصيام عجزاً معتبراً.

الخلاصة:

كفارة الظهار مرتبة، فلا يُنتقل من الصيام إلى الإطعام إلا عند العجز عن الصيام. فإن كان هذا الرجل عاجزاً حقيقة عن إكمال صيام الشهرين المتتابعين بسبب طبيعة عمله الشاق وما يترتب على الصيام من ضرر أو عدم قدرة معتبرة، جاز له أن يطعم ستين مسكيناً. أما مجرد المشقة المعتادة أو صعوبة الصيام فلا تكفي للانتقال إلى الإطعام. والله أعلم.

فتاوى ذات صلة