امرأة تشكو من بخل زوجها وتقتيره الشديد في النفقة، مع قدرته المالية وتوليه منصبًا كبيرًا، فهو يوفر السكن ومدرسة الأبناء وبعض أساسيات الطعام، وكثير منها يأتيه من جهة عمله، لكنه يمتنع عن تلبية بقية الحاجات الأساسية للزوجة والأبناء، ويماطل في علاج زوجته، ويرفض الاستماع إلى مطالبها، ويقول: "أنا رب الأسرة، ولا يحق لك مناقشتي في المال"، وإذا طالبته غضب أو نسي الأمر، وإذا اشتدت عليه اتهمها بسوء الأدب. كما أنه ينفق على الغرباء والمتسولين، ويتفاخر بماله، بينما يضيق على زوجته وأولاده حتى نشأت بينهم وبينه كراهية شديدة، وقد بذلت الزوجة جميع وسائل الإصلاح، واستعانت بالأهل والجيران والأصدقاء، لكنه ينكر تقصيره ويحلف على ذلك، ويخيرها بين القبول بحاله أو الذهاب إلى بيت أهلها، مع أنها يتيمة لا مأوى لها، ولا تريد مفارقة أبنائها. والزوج محافظ على الصلاة في المسجد وحافظ للقرآن، لكن الزوجة تشكو من سوء خلقه، وغلظة لسانه، ونكرانه للعشرة. فما الواجب على الزوج في هذه الحال؟ وكيف تتصرف الزوجة بعد استنفاد وسائل الإصلاح؟ وهل تأثم إذا طلبت الفراق بسبب هذا الضرر؟ وما توجيهكم للأبناء الذين تأثروا نفسيًا وكرهوا أباهم بسبب تصرفاته؟

فتوى رقم 3762 — عبدالله إسماعيل — 30 يونيو 2026

السؤال

امرأة تشكو من بخل زوجها وتقتيره الشديد في النفقة، مع قدرته المالية وتوليه منصبًا كبيرًا، فهو يوفر السكن ومدرسة الأبناء وبعض أساسيات الطعام، وكثير منها يأتيه من جهة عمله، لكنه يمتنع عن تلبية بقية الحاجات الأساسية للزوجة والأبناء، ويماطل في علاج زوجته، ويرفض الاستماع إلى مطالبها، ويقول: "أنا رب الأسرة، ولا يحق لك مناقشتي في المال"، وإذا طالبته غضب أو نسي الأمر، وإذا اشتدت عليه اتهمها بسوء الأدب.

كما أنه ينفق على الغرباء والمتسولين، ويتفاخر بماله، بينما يضيق على زوجته وأولاده حتى نشأت بينهم وبينه كراهية شديدة، وقد بذلت الزوجة جميع وسائل الإصلاح، واستعانت بالأهل والجيران والأصدقاء، لكنه ينكر تقصيره ويحلف على ذلك، ويخيرها بين القبول بحاله أو الذهاب إلى بيت أهلها، مع أنها يتيمة لا مأوى لها، ولا تريد مفارقة أبنائها.

والزوج محافظ على الصلاة في المسجد وحافظ للقرآن، لكن الزوجة تشكو من سوء خلقه، وغلظة لسانه، ونكرانه للعشرة.

فما الواجب على الزوج في هذه الحال؟ وكيف تتصرف الزوجة بعد استنفاد وسائل الإصلاح؟ وهل تأثم إذا طلبت الفراق بسبب هذا الضرر؟ وما توجيهكم للأبناء الذين تأثروا نفسيًا وكرهوا أباهم بسبب تصرفاته؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

*فهذه المسألة تُبنى على جملة من الأصول والقواعد:*

1. أن الله تعالى أوجب على الزوج النفقة على زوجته وأولاده بالمعروف، فقال سبحانه: *﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾.*

2. أن النفقة الواجبة تُقدَّر بالمعروف، بحسب حال الزوج يسارًا وإعسارًا، وبحسب الحاجة المعتادة، ولا يجوز للزوج الموسر أن يضيق على من تلزمه نفقتهم.

3. أن من أعظم مقاصد الزواج السكن والمودة والرحمة، وحسن العشرة، وقد قال تعالى: *﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.*

4. أن الضرر منفي في الشريعة، فلا يجوز لأحد الزوجين أن يوقع بالآخر ضررًا بغير حق، وإذا تعذر دفع الضرر إلا بالفرقة شُرعت الفرقة.

5. أن بر الوالدين واجب، لكن لا يجوز أن يحمل ظلم أحد الوالدين أبناءه على عقوقه أو إسقاط حقه، بل يجمعون بين إنكار الخطأ وبر الوالد.

*تطبيق هذه الأصول على الواقعة*

إذا كان الزوج – كما ورد في السؤال – موسرًا وقادرًا على النفقة، ثم يقتِّر على زوجته وأولاده في حاجاتهم الأساسية، ويؤخر علاج زوجته، ويرفض الإنفاق الواجب مع قدرته، بينما ينفق على غيرهم تبرعًا وتفاخرًا، فإن هذا تقصير محرم، وهو مخالف لما أوجبه الله عليه.

فالصدقة على الأجانب لا تُسقط حق الزوجة والأولاد، بل إن النفقة عليهم مقدمة على صدقة التطوع؛ لأن نفقتهم واجبة، والواجب مقدم على النافلة.

كما أن سوء العشرة، وغلظة اللسان، وإهانة الزوجة، ورفض الحوار والإصلاح، كل ذلك ينافي حسن المعاشرة التي أمر الله بها.

أما الزوجة، فقد ذكرت أنها بذلت وسائل الإصلاح، واستعانت بالأهل وأهل الخير، ولم تجد استجابة، فإن صح ذلك واستمر الضرر، فلها أن ترفع أمرها إلى القضاء الشرعي أو من يقوم مقامه؛ لإلزام الزوج بحقوقها، فإن تعذر الإصلاح واستمر الضرر، فلها أن تطلب التفريق، ولا إثم عليها إذا كان طلبها لدفع الظلم والضرر، لا لمجرد هوى أو رغبة في الفراق.

وأما الأبناء، فالواجب عليهم أن يعلموا أن خطأ أبيهم لا يبيح لهم عقوقه أو الإساءة إليه، بل يبرونه، ويحفظون حقه، وينصحونه بالحكمة، ويجتنبون الظلم، مع عدم الرضا بتقصيره أو تبريره.

*الحكم الشرعي*

يجب على هذا الزوج أن يتقي الله تعالى، وأن يؤدي النفقة الواجبة على زوجته وأولاده بالمعروف، وأن يحسن عشرتهم، ويحرم عليه التضييق عليهم مع القدرة، أو تقديم نفقات التطوع على الحقوق الواجبة.

فإن استنفدت الزوجة وسائل الإصلاح، واستمر الضرر، فلها أن تطلب إلزامه بحقوقها، فإن لم يمكن دفع الضرر إلا بالفرقة، جاز لها طلب التفريق، ولا إثم عليها في ذلك.

*الخلاصة*

الزوج آثم إذا كان قادرًا على النفقة ثم قصر في حقوق زوجته وأولاده أو ألحق بهم الضرر، والواجب عليه أن يتوب إلى الله، وأن يؤدي الحقوق التي أوجبها الله عليه، وأن يحسن خلقه وعشرته. وإذا استمر الضرر بعد استنفاد وسائل الإصلاح، فللزوجة أن تطلب التفريق دفعًا للضرر، ولا حرج عليها في ذلك. وأما الأبناء، فعليهم أن يجمعوا بين بر أبيهم، وعدم معاونته على الخطأ، مع الدعاء له وبذل النصح بالحكمة.

والله أعلم.

فتاوى ذات صلة