«مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» ماذا يقصد بهذا الحديث؟ وما هي درجة الحديث من حيث الصحة؟ البعض يحاول إقناعك بأنه يجب الانضمام للحزب الفلاني، وإلا فإن هذا الحديث ينطبق عليك؛ فما قولكم في ذلك؟ لمن تكون البيعة في خضم هذه الأنظمة الحاكمة والتي تبين موالاتها للغرب متمثلًا بأمريكا، والشواهد والدلائل لم تعد تخفى؟ هل يستطيع المؤمن أن يعيش كفافًا لا ينتمي لأي حزب سياسي ولا يدين بالولاء لأي نظام حاكم؟

فتوى رقم 3864 — عبدالله إسماعيل — 18 يوليو 2026

السؤال

«مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»

ماذا يقصد بهذا الحديث؟

وما هي درجة الحديث من حيث الصحة؟

البعض يحاول إقناعك بأنه يجب الانضمام للحزب الفلاني، وإلا فإن هذا الحديث ينطبق عليك؛

فما قولكم في ذلك؟

لمن تكون البيعة في خضم هذه الأنظمة الحاكمة والتي تبين موالاتها للغرب متمثلًا بأمريكا، والشواهد والدلائل لم تعد تخفى؟

هل يستطيع المؤمن أن يعيش كفافًا لا ينتمي لأي حزب سياسي ولا يدين بالولاء لأي نظام حاكم؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه المسألة تُبنى على جملة من الأصول والقواعد:

1. أن نصوص الكتاب والسنة تُفهم بمجموعها، ويُرد المتشابه إلى المحكم، ولا يجوز تنزيلها على الوقائع بغير علم.

2. أن الإمامة والبيعة من مسائل السياسة الشرعية، ومقصودها حفظ الدين وجمع كلمة المسلمين، لا إنشاء الانتماءات الحزبية.

3. أن الألفاظ الشرعية تُحمل على معانيها التي دل عليها الشرع، لا على الاصطلاحات الحادثة.

4. أن المسلم لا يلزمه شرعًا الانتماء إلى حزب أو جماعة بعينها، وإنما يلزمه التمسك بالكتاب والسنة وطاعة ولي الأمر في المعروف.

---

تطبيق هذه الأصول على المسألة

ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».

والحديث صحيح، رواه مسلم، فهو من أصح الأحاديث في هذا الباب.

ومعنى الحديث أن من مات وهو خارج عن جماعة المسلمين وإمامهم، رافضًا أصل البيعة الشرعية للإمام الذي انعقدت له الإمامة، فقد شابه أهل الجاهلية الذين لم يكن لهم إمام يجتمعون عليه. وليس المراد أنه يموت كافرًا، وإنما يموت على حال تشبه حال أهل الجاهلية في افتقاد نظام الجماعة والإمامة.

وليس في الحديث أدنى دلالة على وجوب الانضمام إلى حزب سياسي أو جماعة دعوية أو تنظيم معين؛ لأن الأحزاب المعاصرة ليست هي المرادة بالبيعة في النصوص الشرعية، وإنما البيعة تكون للإمام أو ولي الأمر العام للمسلمين الذي تثبت له الولاية وفق أحكام الشرع.

ولهذا فإن استدلال بعض الناس بهذا الحديث على وجوب الانتماء إلى حزب أو جماعة معينة استدلال غير صحيح، وهو تحميل للنص ما لا يحتمله.

وأما ما ذكره السائل من واقع الأنظمة الحاكمة، فإن الحكم على شرعية ولاية حاكم معين أو سقوطها، وما يترتب على ذلك من أحكام، من مسائل السياسة الشرعية الكبرى التي يقررها أهل العلم الراسخون بعد استيفاء شروطها وانتفاء موانعها، ولا تبنى على مجرد الانطباعات أو المواقف السياسية.

وفي جميع الأحوال، يجوز للمسلم أن لا ينتمي إلى أي حزب سياسي أو تنظيم أو جماعة، ولا إثم عليه في ذلك، بل قد يكون ترك التحزب أولى إذا كان الانتماء يفضي إلى التعصب أو الفرقة. وإنما الواجب عليه أن يلتزم بالإسلام، ويتبع الكتاب والسنة، ويحافظ على جماعة المسلمين، ويطيع ولي الأمر في المعروف، ولا يطيعه في معصية الله، لقوله ﷺ: «إنما الطاعة في المعروف».

---

الخلاصة

حديث: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» حديث صحيح، رواه مسلم.

المراد بالبيعة فيه: البيعة للإمام أو ولي الأمر العام، وليس البيعة لحزب أو جماعة أو تنظيم.

الاستدلال بهذا الحديث على وجوب الانضمام إلى حزب معين استدلال باطل، ولا يُعرف عن أحد من أهل العلم المعتبرين.

يجوز للمسلم أن يعيش غير منتمٍ لأي حزب أو تنظيم، ما دام متمسكًا بالكتاب والسنة، محافظًا على جماعة المسلمين، ومطيعًا لولي الأمر في المعروف.

أما تقويم الأنظمة الحاكمة وأحكامها التفصيلية، فهو من مسائل الاجتهاد والسياسة الشرعية التي يُرجع فيها إلى أهل العلم الراسخين، ولا يجوز أن تكون سببًا لتأويل النصوص على غير مرادها.

والله أعلم.

فتاوى ذات صلة