امرأة تعيش مع أبنائها في مدينة الحديدة وكانت قد كبرت في السن، ثم كانت وصيتها المؤكدة على أبنائها أن يدفنوها في بلادها في الريف في الجبال، وأكدت عليهم ألا تُدفن إلا في بلادها، رغبةً منها بأن تُدفن في المقبرة التي دُفن فيها والداها وإخوانها في البلاد. فلما ماتت لم ينفذوا وصيتها ودفنوها في مدينة الحديدة، علمًا بأن أبناءها ميسورون بل ومنهم أثرياء ولا تعجزهم تكاليف السفر ونقل جثتها إلى البلاد، وأيضًا هي لديها أموال وبإمكانهم نقلها من مالها الخاص. فهل يأثمون بعدم تنفيذ وصيتها؟ وحجتهم في ذلك أنه لا ينفع المسلم إلا عمله، سواء دُفن هنا أو هناك. فما الحكم؟ جزاكم الله خيرًا شيخنا الفاضل.

فتوى رقم 3899 — عبدالله إسماعيل — 27 يوليو 2026

السؤال

امرأة تعيش مع أبنائها في مدينة الحديدة وكانت قد كبرت في السن، ثم كانت وصيتها المؤكدة على أبنائها أن يدفنوها في بلادها في الريف في الجبال، وأكدت عليهم ألا تُدفن إلا في بلادها، رغبةً منها بأن تُدفن في المقبرة التي دُفن فيها والداها وإخوانها في البلاد.

فلما ماتت لم ينفذوا وصيتها ودفنوها في مدينة الحديدة، علمًا بأن أبناءها ميسورون بل ومنهم أثرياء ولا تعجزهم تكاليف السفر ونقل جثتها إلى البلاد، وأيضًا هي لديها أموال وبإمكانهم نقلها من مالها الخاص.

فهل يأثمون بعدم تنفيذ وصيتها؟ وحجتهم في ذلك أنه لا ينفع المسلم إلا عمله، سواء دُفن هنا أو هناك. فما الحكم؟ جزاكم الله خيرًا شيخنا الفاضل.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه المسألة تُبنى على جملة من الأصول والقواعد:

1. أن تنفيذ وصية الميت واجب إذا تعلقت بحقوقٍ مالية أو بما أوجبه الشرع، وكانت وصيةً مشروعة نافذة.

2. أن الأصل في دفن الميت أن يُدفن في البلد الذي مات فيه، وأن يُعجَّل بدفنه، وقد كره جماعة من أهل العلم نقل الميت إلى بلد آخر إلا لمصلحة معتبرة.

3. أن الوصية بالدفن في مكان معين ليست من الوصايا الواجبة التنفيذ عند جمهور الفقهاء، وإنما يُنظر فيها إلى المصلحة، وإمكان التنفيذ، وما يترتب عليها من مصالح أو مفاسد.

4. أن بر الوالدين بعد موتهما يشمل الحرص على تنفيذ رغباتهما المشروعة ما أمكن، إذا لم يعارض ذلك حكم شرعي أو مصلحة راجحة.

تطبيق هذه الأصول على الواقعة

إذا أوصت الأم أن تُدفن في بلدها، أو بجوار آبائها وأقاربها، وكان قصدها تحقيق هذه الرغبة، فإن الأولى والأكمل للأبناء أن يسعوا إلى تنفيذ وصيتها متى تيسر ذلك، ولم يترتب عليه تأخير الدفن، أو مشقة غير معتادة، أو مخالفة للأنظمة، أو مفسدة معتبرة؛ لأن ذلك من تمام البر بها والإحسان إليها.

أما إذا لم ينفذوا هذه الوصية، ودفنوها في البلد الذي توفيت فيه، فلا يصح الجزم بأنهم آثمون بمجرد ذلك؛ لأن هذه الوصية ليست من الوصايا التي يجب تنفيذها على الإطلاق، ولأن الأصل في السنة تعجيل دفن الميت، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى كراهة نقله من بلد إلى آخر إلا لمصلحة راجحة.

وأما تعليل بعض الأبناء بأن "الميت لا ينفعه إلا عمله"، فليس هو الوجه الصحيح في هذه المسألة؛ لأن محل البحث ليس انتفاع الميت بمكان الدفن، وإنما مدى استحباب أو وجوب تنفيذ رغبته. فلو قالوا: إنهم دفنوها حيث ماتت أخذًا بالأصل الشرعي أو بقول من يرى كراهة النقل، لكان ذلك أقرب إلى الاعتبار الفقهي.

الخلاصة

الوصية بالدفن في بلد معين أو بجوار الأقارب ليست واجبة التنفيذ على الراجح، وإنما يستحب تنفيذها إذا تيسر ذلك ولم يعارضها مانع شرعي أو مصلحة راجحة. ولذلك لا يصح الجزم بإثم الأبناء إذا لم ينفذوا هذه الوصية، لا سيما إذا دفنوها في موضع وفاتها اتباعًا للأصل الشرعي أو لقول معتبر عند أهل العلم. ومع ذلك، فإن تنفيذ مثل هذه الوصية عند الإمكان من البر بالوالدين والإحسان إليهما، وهو أولى وأكمل.

والله تعالى أعلم.

فتاوى ذات صلة